إنّ هذا الهدف الأخلاقي كريم وعزيز للغاية بحيث لا يقابله ولا يوازيه أيّ أمل أو أمنية ، وإنّما يتمكن من الاتّصاف بتبعيّته عدد معدود من نوابغ الأخلاقيين .
نعم ، يقول مولى المتقين أمير المؤمنين علي ( عليه السّلام ) في مناجاته :
« إلهي ما عبدتك - حين عبدتك - خوفا من نارك ولا طمعا في جنّتك ، ولكنّي وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك » « 1 » .
والقرآن الكريم ينقل عن لسان « سليمان » أنّه كان يقول : (
رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ ، وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ
) « 2 » فجعل غاية عمله طلب رضاه تعالى ، فلتكن الأعمال قربة إلى اللّه وطلبا لمرضاته .
وعلينا أن نلتفت إلى أنّ العبادة لا تنحصر في الإسلام في تلك الدقائق واللحظات التي يشتغل فيها العبد بمراسم العبادة وشعائرها ، بل إنّ العبادة في الإسلام أجمع وأوسع ، إذ هو يشمل جميع الشؤون ويستوعبها في برنامجه للسلوك في الحياة ، من العبادة الخاصّة إلى الفكر والإدراك ، وسائر الأعمال اليومية الجارية ، فما دام الهدف والوجهة إلى اللّه فإنّ العمل عبادة . وبعبارة أخرى :
جعل الإسلام العبادة هي القاعدة الأصيلة والكبرى وعلى أساسها قرّر جميع برامج الحياة . وإلّا فليس لتلك المظاهر والمراسم في تلك اللحظات العابرة تلك الأهمية الكبرى ، بل المهم كل الأهمية أن يبتنى السلوك وكل شيء في هذه الحياة على تلك القاعدة بشكل صريح وواضح ، وأن يشهد العبد بعدم وجود أي مقام أو شخصية ذات قدرة سوى ذات اللّه المقدسة مستحقا للعبادة ، ليس باللسان فحسب بل بالعمل وفي الحقيقة .
وكذلك ليست العبادة في منطق الإسلام بمعنى أن تسيطر الطهارة والتقوى
هامش
( 1 ) نقلا عن الحقائق ، للفيض الكاشاني : 202 .
( 2 ) سورة النمل : الآية 19 .