وعواطفه والغرائز المغروسة في نظام كيانه ووجوده ، وإن كانت دوافعه إلى أداء تكاليفه أمورا مختلفة . ولكن بالإمكان أن نقول : إنّ القواعد العقلية العامة هي محور التكاليف ، أمّا طاعة الأحكام الدينية فإنّها ترجع إلى اتباع القواعد والقرارات العقلية أيضا ؛ فإنّ أحكام الأديان وأوامرها في أمور الحياة والمسائل الاجتماعية هي تفصيلات لإجمال المدركات العقلية .
وليست المشكلة معرفة التكاليف ، بل المشكلة الكبرى هي العمل بالتكاليف الشاقة ، وإنّما يتمكن الإنسان من الاقتراب إلى مرحلة الكمال في هذا المجال بالإيمان الراسخ والثابت والقوي ، ومراقبة النفس أمام اللّه في كل حال ، وتوطينها على التضحية في الأعمال .
إنّ المجتمع وإن كان صعيدا لنموّ الفضائل الإنسانية وتكاملها وظهورها ، لكنه كذلك هو جوّ يناسب ظهور كثير من الرذائل أيضا . وإنّما يُصاب التكامل الاجتماعي بالتوقف والركود فيما إذا تجاوز كل واحد من الناس عن حدود وظائفه وتكاليفه ، وتناسى أو تنكر أو تجاهل لمسؤولياته الكبرى الملقاة على عاتقه .
حتى النبتة الصغيرة بحاجة إلى عناية خاصة كي تتحرك من مكانها فتصل في مراحل نموّها إلى كمالها اللائق بها ، والذي يثمر نموّ المجتمع وتكامله ليس هو موقعه الجغرافي وأوضاعه المادية ، بل هي أوضاعه الخاصّة التربوية والمعنوية التي يقوم على أساسها المجتمع الفاضل والرّاقي .
في المجتمع الذي تسود أفكار الناس فيه روح المعرفة بالتكاليف ، ستكون الطهارة والصدق في ضمائر القلوب والأعمال ، وفي الإدراكات والأفكار ، وفي جميع شؤون الناس ظاهرة للعيان . وفي مجتمع كهذا لا تنمو الخيانة والعدوان على حقوق الآخرين ، بل لا يسمح لها مجال للنموّ والظهور ، بل يقف كل واحد فيه أمام مفاسد الأعمال ويمنع عن شيوعها بين المجتمع .
إنّنا لا نضلّ إلّا عند عدم اتّباعنا وطاعتنا لتكاليفنا . هناك كثير من الناس يحاولون - مع ما لهم من إمكانات من مختلف الجهات - أن يقتصدوا في الإفادة
رسالة الأخلاق — صفحة 114
مساهمون: السيد مجتبى الموسوي اللاري
ص١١٤