وهو في نفس الوقت كان يطعم اليتامى العسل بيده ، حتّى قال بعض أصحابه :
وددت أنّي كنت يتيما .
لقد زهد الإمام عليه السّلام في جميع متع الحياة الدنيا ، وتجرّد تجرّدا تامّا من جميع رغباتها ، وقد روى صالح بن الأسود ، قال : رأيت عليّا قد ركب حمارا وأدلى برجليه إلى موضع واحد ، وهو يقول : « أنا الّذي أهنت الدّنيا » « 1 » .
أجل واللّه لقد احتقر الإمام عليه السّلام الدنيا ، فلم يحفل بأي مظهر من مظاهر السلطة والحكم ، واتّجه نحو اللّه تعالى ، وعمل كلّ ما يقرّبه إليه زلفى .
وقد تحدّثنا بصورة مفصّلة عن زهده في موسوعة الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، ونقلنا هذه الصور منها .
11 - إنابته للّه تعالى
من سموّ ذات الإمام عليه السّلام ، ومن عناصر أخلاقه إنابته المطلقة إلى اللّه تعالى ، فقد كان من أعظم المنيبين إليه ، ومن أكثرهم خوفا ورهبة منه ، وقد روى المؤرّخون صورا من خشيته من اللّه تعالى كان منها :
1 - روى أبو الدرداء ، قال : شهدت عليّ بن أبي طالب في بعض محلّات بني النجّار ، وقد اعتزل عن مواليه ، واختفى ممّن يليه ، واستتر بنخيلات ، فافتقدته ، وبعد عليّ مكانه ، فقلت : لحق بمنزله ، فإذا بصوت حزين ونغمة شجيّة قائلة :
« إلهي كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنقمتك ، وكم من جريرة تكرّمت عن كشفها بكرمك ، إلهي إن طال في عصيانك عمري ، وعظم في الصّحف ذنبي ، فما أنا بمؤمّل غير غفرانك ، ولا أنا براج غير رضوانك . . . » .
وذهل أبو الدرداء ، وهام من خشية اللّه تعالى ، وراح يفتّش عن صاحب الصوت ،
هامش
( 1 ) تاريخ دمشق : 3 / 236 . جواهر المطالب : 1 / 276 .