ولم يلبث أن عرفه ، وإذا هو إمام المتّقين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، فاستتر ليسمع بقيّة مناجاته ، وراح الإمام يصلّي ، فلمّا فرغ من صلاته توجّه إلى اللّه تعالى بقلب منيب ، وأخذ في المناجاة قائلا :
« إلهي افكّر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي ، ثمّ أذكر العظيم من أخذك فتعظم عليّ بليّتي . . . » .
ثمّ قال :
« آه إن أنا قرأت في الصّحف سيّئة أنا ناسيها وأنت محصيها ، فتقول : خذوه ، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ، ولا تنفعه قبيلته ! يرحمه الملأ إذا اذن فيه بالنّداء . . . آه من نار تنضج الأكباد والكلى ، آه من نار نزّاعة للشّوى ! آه من غمرة من ملهبات لظى . . . » .
يقول أبو الدرداء : ثمّ انفجر الإمام عليه السّلام باكيا وخمد صوته ، فسارعت إليه فوجدته كالخشبة الملقاة فحرّكته فلم يتحرّك ، فقلت : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، مات واللّه عليّ بن أبي طالب ، فبادرت مسرعا إلى بيته أنعاه إلى أهله ، فأخبرت سيّدة النساء فاطمة عليها السّلام ، فقالت :
« يا أبا الدّرداء ، ما كان من شأنه ؟ . . . » .
فأخبرتها بما رأيته ، فقالت :
« هي واللّه يا أبا الدّرداء الغشية الّتي تأخذه من خشية اللّه . . . » ، وناولتني ماء وأمرتني أن اريقه على وجهه الشريف ، ففعلت ذلك ، فأفاق ونظر إليّ وأنا أبكي ، فقال لي :
« ممّ بكاؤك يا أبا الدّرداء ؟ » .
فقال له أبو الدرداء : أبكي لما أنزلته بنفسك ، فأجابه الإمام بصوت حزين :
أخلاق النبي ( ص ) وأهل بيته ( ع ) — صفحة 63
مساهمون: الشيخ باقر شريف القرشي
ص٦٣