الذئاب أو أولاد المتوحشين ومن الغريب أنهم كانوا يسلكون مسالك الذئاب ، ويقلدونها في أصواتها ويأكلون كما تأكل الحيوانات المفترسة ، ويمزقون ملابسهم التي وضعت عليهم ويميلون إلى العزلة ، والالتجاء إلى الأماكن المظلمة ، ويربضون كما تربض الذئاب ، وحاول بعض الناس أن يربوهم ويعلموهم الكلام أو العمل فلم يفلحوا .
ووصف ( فلانتين بول ) في كتابه « الحياة في أدغال الهند » أحد هؤلاء الذين عثر عليهم بعض الهنود فحملوه إلى ملاجئ الأيتام في يوم ( 4 / 2 / 1867 م ) فقال :
« لقد كانت تظهر عليه علامات العته التي يشاهدها الانسان في المعتوهين العاديين كانخفاض الجبهة ، والقلق ، والاضطراب ، وكثيرا ما يكشّر عن نابه كما يفعل الحيوان المفترس ، وكان يعتمد في تعرف الأشياء على حاسة الشم أكثر من اعتماده على حاسة الذوق ولم يكن من الممكن استمراره في أي عمل بدون مراقبة مستمرة ، وكان يمشي على أربع ، ولم يقدر على المشي على رجليه إلا بعد بضعة أشهر ، وكان إذا مشى يقف وقفات فجائية ويسير سيرة المتعثر ، كما كان يحرك رأسه بسرعة يمنة ويسرة ، ويحدق بنظره كأنما يترقب هجوم عدو مخيف ، وظلت حياته على هذا الحال حتى توفي « 1 » .
إن التربية - حسب هذه البحوث التجريبية - من الأمور الكسبية التي يتطبع عليها الانسان ، وقد المع القرآن الكريم إلى هذه الظاهرة قال تعالى :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
« 2 » وقد دلت الآية بوضوح على أن ما يحصله الانسان من علم ونمو فكري بعد أن يولد إنما هو عن طريق الكسب بسبب ما يلتقطه السمع والبصر والعقل ، وقد سبق القرآن بذلك ما قرره علماء التربية في هذا المضمار .
هامش
( 1 ) النهج الحديث في أصول التربية وطرق التدريس : 1 / 110 - 117 .
( 2 ) سورة النحل : آية 78 .