استقبلوا الجبال لأزالوها ، وما يقوى على قتال هؤلاء أحد » .
وأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص يطلب منه أن يوفد له جماعة يفاوضهم في أمر الصلح فأوفد إليهم كوكبة من أصحابه على رأسهم عبادة بن الصامت وكان فاحم اللون ، فلما مثلوا عنده قال لهم :
- نحوا عني هذا الأسود ، وقدموا غيره يكلمني ! !
فانبروا جميعا بلسان واحد . وهم يشيدون بفضل عبادة ويفخرون به قائلين : « إن هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلما ، وهو سيدنا ، وخيرنا والمقدم علينا ، وإنما نرجع إلى قوله ورأيه . . . » .
واستولت الحيرة عليه ، فانطلق يقول لهم : « كيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم ، وإنما ينبغي ان يكون دونكم ؟ ! ! » فأجابوه جميعا ، وهم مصرون قائلين : « إنه وإن كان أسود كما ترى فإنه من أفضلنا موضعا ، وأفضلنا سابقا وعقلا ، ورأيا ، وليس ينكر السواد فينا » .
ولم يجد المقوقس بدا من أن يفتح حديثه مع عبادة فقال له : « تقدم يا أسود ، وكلمني برفق » .
فانبرى إليه عبادة قائلا : « قد سمعت مقالتك ، وإن فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل كلهم مثلي وأشد سوادا مني ، وأفظع منظرا ، ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم مني وأنا قد وليت وأدبر شبابي ، وإني مع ذلك بحمد اللّه ما أهاب مائة رجل من عدوي ، لو استقبلوني جميعا ، وكذلك أصحابي ، وذلك إنما رغبتنا وهمتنا الجهاد في اللّه واتباع رضوانه ، وليس غزونا عدوا ممن حارب اللّه لرغبة في الدنيا ، ولا حاجة للاستثكار منها ، إلا أن اللّه عزّ وجلّ قد أحل ذلك لنا ، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالا ، وما يبالي أحدنا أكان له قناطير من ذهب أم كان لا يملك إلا درهما لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها يسد بها جوعته ليلته ونهاره ، وشملة يلتحفها ، وإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه ، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة
النظام التربوى في الإسلام — صفحة 362
مساهمون: الشيخ باقر شريف القرشي
ص٣٦٢