اللّه تعالى ، واقتصر على هذه « 1 » بيده ويبلغه ما كان في الدنيا لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم ورخاءها ليس برخاء ، إنما النعيم والرخاء في الآخرة ، بذلك أمرنا اللّه وأمرنا به نبينا وعهد إلينا ألا تكون همة أحدنا في الدنيا إلا ما يمسك جوعته ، ويستر عورته وتكون همته وشغله في رضاء ربه وجهاد عدوه . . . » .
وحفل هذا الكلام بأروع ألوان التربية العسكرية التي يتنكر فيها الجندي والقائد لجميع المصالح المادية الضيقة ، فلم يقصدوا بجهادهم وتضحيتهم إلا وجه اللّه والتماس الأجر في الدار الآخرة ، وما عدا ذلك فهو فضول لم يعنوا به ، كما أعرب عن اتحاد الجيش بجميع فصائله وكتائبه ، وأنهم على فكرة واحدة قد تبلورت بهدي الإسلام وروحه . . . ولما سمع المقوقس هذه الكلمات النيرة التي تحمل طابع الحق انبرى إليه قائلا : « أيها الرجل الصالح قد سمعت مقالتك ، وما ذكرت عنك وعن أصحابك ولعمري ما بلغتم ما بلغتم إلا بما ذكرت ، ما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا لحبهم الدنيا ، ورغبتهم فيها . . . وقد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم ما لا يحصى عدده ، قوم معروفون بالنجدة والشدة ممن لا يبالي أحدهم من لقي ، ولا من قاتل ، وإنا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم ، ولن تطيقوهم لضعفكم وقلتكم ، وقد أقمتم بين أظهرنا أشهرا وأنتم في ضيق وشدة من معاشكم ورجالكم ونحن نرق عليكم لضعفكم وقلتكم ، وقلة ما بأيديكم ، ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين ولأميركم مائة دينار ، ولخليفتكم ألف دينار فتقبضونها ، وتنصرفون إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا قوة لكم به . . . » .
وانطلق القائد الملهم كالمارد الجبار غير حافل بتهديد المقوقس ولا بقوى الروم التي توعده بها ، وهو يؤكد العزم والتصميم على مناجزته إذا لم يدخل في حظيرة الإسلام أو يؤدي الجزية هو وقومه عن يد وهم صاغرون وقد جرت له
هامش
( 1 ) في المقريزي : « واقتصر على هذا الذي بيده » .