تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معجم المحاسن والمساوئ — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
فنظر إلى المجتهدين من الأحبار والرهبان عليهم مدارع الشعر ، وبرانس الصوف وإذا هم قد خرقوا تراقيهم وسلكوا فيها السلاسل ، وشدوها إلى سواري المسجد فلما نظر إلى ذلك أتى أمه فقال : يا أماه انسجي لي مدرعة من شعر ، وبرنسا من صوف حتّى آتي بيت المقدس فاعبد اللّه فيه مع الأحبار والرهبان ، فقالت له أمه : حتّى يأتي نبي اللّه فأخبره في ذلك ، فلما دخل زكريّا عليه السّلام أخبرته بمقالة يحيى فقال له زكريّا : يا بني ما يدعوك إلى هذا ؟ وإنما أنت صبي صغير فقال له : يا أبة أما رأيت من هو أصغر سنا منّي قد ذاق الموت ؟ قال : بلى ثمّ قال : لامه انسجي له مدرعة من شعر ، وبرنسا من صوف ففعلت فتدرع المدرعة على بدنه ووضع البرنس على رأسه ، ثمّ أتى بيت المقدس فاقبل يعبد اللّه عزّ وجلّ مع الأحبار حتّى أكلت مدرعة الشعر لحمه فنظر ذات يوم إلى ما قد نحل من جسمه فبكى فأوحى اللّه عزّ وجلّ يا يحيى أتبكي ممّا قد نحل من جسمك وعزّتي وجلالي لو اطلعت إلى النار اطلاعة لتدرعت مدرعة الحديد فضلا عن المنسوج فبكى حتّى أكلت الدموع لحم خديه ، ثمّ بدت للناظرين أضراسه فبلغ ذلك أمه فدخلت عليه واقبل زكريّا واجتمع الأحبار والرهبان فأخبروه بذهاب لحم خديه فقال : ما شعرت بذلك ، فقال زكريّا : يا بني ما يدعوك إلى هذا إنّما سألت ربّي ان يهبك لي لتقرّبك عيني ، قال أنت أمرتني بذلك يا أبة قال : ومتى ذلك يا بني ؟ قال : الست القائل أن بين الجنّة والنار لعقبة لا يجوزها إلا البكاؤون من خشية اللّه تعالى ؟ قال : بلى قال : فجد واجتهد فشأنك غير شأني فقام يحيى فنفض مدرعته فأخذته أمه ، فقالت : أتأذن لي يا بني أن اتخذ لك قطعتي لبود تواريان أضراسك وينشفان دموعك ؟ فقال لها : شأنك فاتخذت له قطعتي لبود تواريان أضراسه وينشفان دموعه حتّى ابتلت من دموع عينيه فحسر عن ذراعيه ، ثمّ أخذهما فعصرهما فتحدر الدموع من بين أصابعه فنظر زكريّا إلى ابنه وإلى دموع عينيه فرفع رأسه إلى السماء ، فقال :