المنخدع بأباطيلها ! أتغترّ بالدنيا ثمّ تذمّها ، أنت المتجرّم عليها أم هي المتجرّمة عليك ؟ متى استهوتك أم متى غرّتك ؟ أبمصارع آبائك من البلى ، أم بمضاجع امّهاتك تحت الثرى ؟ كم علّلت بكفّيك ؟ وكم مرّضت بيديك ؟ تبتغي لهم الشفاء وتستوصف لهم الأطبّاء ، غداة لا يغنى عنهم دواؤك ، ولا يجدي عليهم بكاؤك ، لم ينفع أحدهم إشفاقك ، ولم تسعف فيه بطلبتك ، ولم تدفع عنه بقوّتك ! وقد مثّلت لك به الدنيا نفسك ، وبمصرعه مصرعك ! إنّ الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار عافية لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزوّد منها ، ودار موعظة لمن اتّعظ بها ، مسجد أحبّاء اللّه ، ومصلّى ملائكة اللّه ، ومهبط وحي اللّه ، ومتجر أولياء اللّه ، اكتسبوا فيها الرحمة ، وربحوا فيها الجنّة ، فمن ذا يذمّها وقد آذنت ببينها ، ونادت بفراقها ، ونعت نفسها وأهلها ، فمثّلت لهم ببلائها البلاء ، وشوّقتهم بسرورها إلى السرور ؟ ! راحت بعافية ، وابتكرت بفجيعة ، ترغيبا وترهيبا وتخويفا وتحذيرا فذمّها رجال غداة الندامة ، وحمدها آخرون يوم القيامة ، ذكّرتهم الدنيا فتذكّروا ، وحدّثتهم فصدّقوا ، ووعظتهم فاتّعظوا » .
2 - الإرشاد ص 157 :
ومن ذلك قوله عليه السّلام لرجل سمعه يذمّ الدنيا من غير معرفة بما يجب أن يقول في معناها : « الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار عافية لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزوّد منها ، مسجد أنبياء اللّه ، ومهبط وحيه ، ومصلّى ملائكته ، ومتجر أوليائه ، اكتسبوا فيها الرحمة ، وربحوا فيها الجنّة ، فمن ذا يذمّها وقد أذنت ببينها ، ونادت بفراقها ، ونعت نفسها ، فشوقت بسرورها إلى السرور ، وحذرت ببلائها إلى البلاء تخويفا وتحذيرا وترغيبا وترهيبا . فيا أيّها الذامّ للدنيا ، والمغترّ بتغريرها ، متى غرّتك ؟ أبمصارع آبائك من البلى أم بمضاجع امّهاتك تحت الثرى ؟ كم عللت بكفّيك ، ومرضت بيديك ؟ تبتغي لهم الشفاء ، وتستوصف لهم الأطبّاء ، وتلتمس لهم الدواء ، لم تنفعهم بطلبتك ، ولم تشفعهم بشفاعتك ، قد مثلت لك الدنيا بهم مصرعك ومضجعك حيث لا ينفعك بكاؤك ، ولا يغني عنك أحباؤك » .