عذوبة كلام المحبوب وعذوبة ذكره ، فيخرج من القلب عذوبة ما سواه ، ولذلك قال بعض الحكماء في دعائه : يا من آنسني بذكره ، وأوحشني من خلقه . وقال اللّه تعالى لداود عليه السّلام : كن لي مشتاقا ومستأنسا ومن سواي مستوحشا . . . إلى أن قال :
وقال عبد الواحد بن زيد : مررت براهب فقلت له : يا راهب ، لقد أعجبتك الوحدة ؟
فقال يا هذا ، لو ذقت حلاوة الوحدة لاستوحشت إليها من نفسك ، الوحدة رأس العبادة ، فقلت : يا راهب ما أقلّ ما تجده في الخلوة ؟ قال : الراحة من مداراة الناس ، والسلامة من شرّهم ، قلت : يا راهب متى يذوق العبد حلاوة الانس باللّه عزّ وجلّ ؟
قال : إذا صفا الودّ ، وخلصت المعاملة ، قلت : ومتى يصفو الودّ ؟ قال : إذا اجتمعت الهموم فصارت هما واحدا في الطاعة .
وقال بعض الحكماء : عجبا للخلائق كيف أرادوا بك بدلا ؟ ! عجبا للقلوب كيف استأنست بسواك عنك ؟ !
فإن قلت : فما علامة الانس باللّه ؟ فاعلم إنّ علامته الخاصّة ضيق الصدر من معاشرة الخلق ، والتبرّم بهم ، واستهتاره بعذوبة الذكر ، فإن خالط فهو كمنفرد في جماعة ومجتمع في خلوة ، وغريب في حضر وحاضر في سفر ، وشاهد في غيبة وغائب في حضور ، ومخالط بالبدن متفرّد بالقلب ، مستغرق بعذوبة الذكر . قال عليّ - كرّم اللّه وجهه - في وصفهم : « هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين ، واستلانوا ما استوعره المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى ، أولئك خلفاء اللّه في أرضه ، والدعاة إلى دينه » . فهذا معنى الانس باللّه ، وهذه علامته ، وهذه شواهده .
الانس بالوالدين :
1 - أصول الكافي ج 2 ص 163 باب البرّ بالوالدين ح 20 :
عليّ بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن عمرو