معنى الانس باللّه :
قال في « إحياء العلوم » ج 4 ص 339 :
قد ذكرنا أنّ الانس والخوف والشوق من آثار المحبّة إلّا أنّ هذه آثار مختلفة ، تختلف على المحبّ بحسب نظره وما يغلب عليه في وقته ، فإذا غلب عليه التطلّع من وراء حجب الغيب إلى منتهى الجمال ، واستشعر قصوره عن الاطّلاع على كنه الجلال ، انبعث القلب إلى الطلب ، وانزعج له وهاج إليه ، وتسمّى هذه الحالة في الانزعاج شوقا ، وهو بالإضافة إلى أمر غائب ، وإذا غلب عليه الفرح بالقرب ، ومشاهدة الحضور بما هو حاصل من الكشف ، وكان نظره مقصورا على مطالعة الجمال الحاضر المكشوف ، غير ملتفت إلى ما لم يدركه بعد أن استبشر القلب بما يلاحظه ، فيسمّى استبشاره انسا ، وإن كان نظره إلى صفات العزّ والاستغناء وعدم المبالاة ، وخطر إمكان الزوال والبعد ، تألّم قلبه بهذا الاستشعار ، فيسمى تألّمه خوفا .
وهذه الأحوال تابعة لهذه الملاحظات ، والملاحظات تابعة لأسباب تقتضيها لا يمكن حصرها ، فالانس معناه استبشار القلب وفرحه بمطالعة الجمال ، حتّى أنّه إذا غلب وتجرّد عن ملاحظة ما غاب عنه وما يتطرّق إليه من خطر الزوال عظم نعيمه ولذّته . ومن هنا نظر بعضهم حيث قيل له : أنت مشتاق ، فقال : لا ، إنّما الشوق إلى غائب ، فإذا كان الغائب حاضرا فإلى من يشتاق ؟ وهذا كلام مستغرق بالفرح بما ناله ، غير ملتفت إلى ما بقي في الإمكان من مزايا الألطاف .
ومن غلب عليه حال الانس لم تكن شهوته إلّا في الانفراد والخلوة ، كما حكي أنّ إبراهيم بن أدهم نزل من الجبل فقيل له : من أين أقبلت ؟ فقال : من الانس باللّه ، وذلك لأنّ الانس باللّه يلازمه التوحّش من غير اللّه تعالى ، بل كلّ ما يعوق عن الخلوة ، فيكون من أثقل الأشياء على القلب ، كما روي : أنّ موسى عليه السّلام لمّا كلّمه ربّه مكث دهرا لا يسمع كلام أحد من الخلق إلّا أخذه الغثيان ؛ لأنّ الحبّ يوجب