وكان أجدى عليه أن يتحول إلى ربه ، يسأله من فضله . فإن خزائنه ليست حكرا على واحد بعينه ، ثم يستأنف السعي في الحياة بعدئذ .
فلعل ما عجز عنه في البداية يدركه ثانية . إن هذا لا ريب أشرف من الضغينة على الآخرين .
والبون بعيد بين الحسد والطموح ، وبين الحسد والغبطة ، وبين الحسد واستنكار العوج في الأوضاع والخلط في المنع والعطاء .
فالطموح رغبة في الرفعة وسعي إليها . وذلك شأن الصالحين من عباد اللّه .
قال سليمان :
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
« 1 » .
وقال عباد الرحمن :
رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً
« 2 » .
والتطلع إلى فضل اللّه مع الأخذ في أسباب اكتسابه شيء غير كراهية فضل اللّه عندما ينزل بإنسان معين .
والغبطة رغبة المرء في الحصول على نعمة مماثلة لما أكرم اللّه به الآخرين .
ولما كان تطلع الإنسان إلى غيره ، قد يكون فتحا لأبواب الفتنة ، وتعلقا بالمنى الباطلة ، واشتهاء لما يحسبه الشخص نافعا له ، وهو في الحقيقة ضار به ، أرشد الإسلام إلى ما ينبغي طلبه ، والتنافس فيه ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
« لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه اللّه مالا فسلطه على هلكته في الحق ، ورجل آتاه اللّه الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها » « 3 » .
والحسد في الحديث تمني مثيل النعمة ، لا تمني زوالها .
هامش
( 1 ) ص : 35 .
( 2 ) الفرقان : 74 .
( 3 ) البخاري .