فقال : يا رسول اللّه ، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين ! ! لئن أشهدني اللّه مع النبي قتال المشركين ليرينّ ما أصنع ! ! !
فلما كان يوم « أحد » انكشف المسلمون ، فقال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم . . فاستقبله سعد بن معاذ ، فقال : يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر ! إني لأجد ريحها من دون أحد ! ! !
قال سعد : فما استطعت يا رسول اللّه ما صنع ، ثم تقدم . .
قال أنس : فوجدنا به بضعا وثمانين ما بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح ورمية بسهم ، ووجدناه وقد مثل به المشركون ، فما عرفه إلا أخته ، بشامة فيه أو ببنانه . .
قال أنس : كنا نرى أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه :
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ، وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا
« 1 » .
* * * والوفاء بالعهد يحتاج إلى عنصرين ، إذا اكتملا في النفس سهل عليها أن تنجز ما التزمت به ، فإن اللّه أخذ على آدم أبي البشر ، عهدا مؤكدا ألا يقرب الشجرة المحرمة ، لكن آدم ما لبث أن نسي وضعف ، ثم نكث في عهده .
وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
« 2 » .
فضعف الذاكرة ، وضعف العزيمة : عائقان كثيفان عن الوفاء الواجب .
والإنسان - لتجدد الحوادث أمامه ، وترادف الهموم المختلفة عليه - يفعل الزمان فعله العجيب في نفسه : فتخبو المعالم الواضحة ، ويمسي ما كان بارزا في نفسه لا يكاد يبين .
ولهذا افتقر إلى مذكّر دائم يغالب أمواج النسيان . ويمسك أمام عينيه ما
هامش
( 1 ) الأحزاب : 23 .
( 2 ) طه : 115 .