والعلم بالشريعة لا يغني عن العمل بها ، والأمانة ضمير حي إلى جانب الفهم الصحيح للقرآن والسنة .
فإذا مات الضمير انتزعت الأمانة ، فما يغني عن المرء ترديد للآيات ، ولا دراسة للسنن . وأدعياء الإسلام يزعمون للناس - وقد يزعمون لأنفسهم - أنهم أمناء . ولكن هيهات أن تستقر الأمانة في قلب تنكر للحق .
ومن ثم يستطرد حذيفة في وصفه ، لتسرب الأمانة من القلوب التي تخلخل فيها اليقين ، فيروي عن الرسول : « ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال :
ينام الرجل النومة فتنقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت - هو الأثر المغاير ، كالنقطة على الصحيفة - ثم ينام الرجل النومة فتنقبض الأمانة من قلبه ، فيظل أثرها مثل أثر المجل » - كالبثور التي تظهر في اليد مثلا من استخدام الأدوات الخشنة - ثم قال : « فيصبح الناس يتبايعون ، لا يكاد أحد يؤدي الأمانة ؛ حتى يقال : إن في بني فلان رجلا أمينا ، وحتى يقال للرجل : ما أجلده ! ما أظرفه ! ما أعقله ! وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان » والحديث يصور انتزاع الأمانة من القلوب الخائنة تصويرا محرجا فهي كذكريات الخير في النفوس الشريرة ، تمر بها وليست منها ، وقد تترك في ممرّها أثرا لاذعا .
بيد أنها لا تحيي ضميرا مات ، وأصبح صاحبه يزن الناس على أساس أثرته وشهوته ، غير مكترث بكفر أو إيمان ! ! .
إن الأمانة فضيلة ضخمة ، لا يستطيع حملها الرجال المهازيل . وقد ضرب اللّه المثل لضخامتها ، فأبان أنها تثقل كاهل الوجود كله فلا ينبغي للإنسان أن يستهين بها ، أو يفرط في حقها .
قال اللّه تعالى :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها ، وَأَشْفَقْنَ مِنْها ، وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ ، إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
« 1 » .
والظلم والجهل آفتان عرضتا للفطرة الأولى ، وبلي الإنسان بجهادهما ، فلن يخلص له إيمان ، إلا إذا أنقاه من الظلم .
هامش
( 1 ) الأحزاب : 72 .