والمشاهد أن الناس يطلقون العنان لأخيلتهم في تلفيق الأضاحيك ، ولا يحسون حرجا في إدارة أحاديث مفتراة على ألسنة خصومهم أو أصدقائهم ليتندروا بها أو يسخروا منهم ، وقد حرم الدين هذا المسلك تحريما تاما ؛ إذ الحقّ أن اللهو بالكذب ، كثيرا ما ينتهي إلى أحزان وعداوات .
* * * وتمدّح الناس مدرجة إلى الكذب . والمسلم يجب أن يحاذر حينما يثني على غيره فلا يذكر إلا ما يعلم من خير ، ولا يجنح إلى المبالغة في تضخيم المحامد وطيّ المثالب . ومهما كان الممدوح جديرا بالثناء فإن المبالغة في إطرائه ضرب من الكذب المحرم .
وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمادحيه : « لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ! فإنما أنا عبد ؛ فقولوا : عبد اللّه ورسوله » « 1 » .
وهناك فريق من الناس يتخذ المدائح الفارغة بضاعة يتملّق بها الأكابر ويصوغ من الشعر القصائد المطولة ، ومن النثر الخطب المرسلة ، فيكيل الثناء جزافا ويهرف بما لا يعرف ، وربما وصف بالعدالة الحكام الجائرين ، ووصف بالشجاعة الأغبياء الخوارين ، ابتغاء عرض من الدنيا عند هؤلاء وأولئك .
هذا الصنف من الأذناب الكذبة ، أوصى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بمطاردتهم حتى يرجعوا من تزويرهم بوجوه عفّرها الخزي والحرمان .
عن أبي هريرة قال : أمرنا رسول اللّه أن نحثو في وجوه المدّاحين التراب « 2 » .
وقد ذكر شرّاح الحديث ، أن المدّاحين المعنيين هنا ( هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة ، يستأكلون به الممدوح ، فأما من مدح على الأمر الحسن والفعل المحمود - ترغيبا في أمثاله ، وتحريضا للناس على الاقتداء به - فليس بمداح ) .
والحدود التي يقف عندها المسلم ، ويخرج بها من تبعة الملق والمبالغة
هامش
( 1 ) رزين .
( 2 ) الترمذي .