كفاحه وجهده الخاص أي أنه لا يبني كيانه على السرقة .
ما الذي يحمله على السرقة ؟ احتياجه إلى ما يقيم أوده ؟ فليوفّر له من الضرورات والمرفهات ما يغنيه عن ذلك .
وتلك فريضة على المجتمع ، إن قصر فيها فألجأ فردا إلى السرقة ، فالجريمة هنا يقع وزرها على المجتمع المفرّط ، لا على الفرد المضيّع .
فإن كفلت للفرد ضروراته ثم مدّ بعد ذلك يده ، محصت حالته جيدا قبل إيقاع العقوبة عليه ، فلعلّ هناك شبهة تثبت أن فيه عرقا ينبض بالخير ، والإبطاء في العقاب مطلوب دينا ، إلى حد أن يقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقاب » .
فإذا تبين من تتبع أحوال الشخص أن فطرته التأثت ، وأنه أصبح مصدر عدوان على البيئة التي كفلته وآوته ، وأنه قابل عطفها وعنايتها بتعكير صفوها وإقلاق أمنها ، فلا ملام على هذه البيئة إذا حدّت من عدوان أحد أفرادها ، فكسرت السلاح الذي يؤذي به غيره .
وقد وصف القرآن اللصوصية التي تستحق قطع اليد ، بأنها لصوصية الظلم والإفساد وقال في هذا السارق المعاقب :
فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
« 1 » .
فالحدّ الذي شرعه الإسلام ، هو وقاية للجماعة العادلة المصلحة ، من ضراوة عضو فيها ، يقابل عدالتها بالظلم ، ويقابل إصلاحها بالفساد .
* * * ذلك مثل نسوقه لنبين به أن الحدود على الجرائم الخلقية ، لم تشرع إكراها على الفضيلة ، وإلجاء للناس - بطريق القسوة - إلى اتخاذ المسالك الحسنة .
فالطريقة المثلى لدى الإسلام هي خطاب القلب الإنساني ، واستثارة أشواقه الكامنة إلى السمو والكمال ، ورجعه إلى اللّه بارئه الأعلى ، بأسلوب
هامش
( 1 ) المائدة : 39 .