وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ، فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ، وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ
« 1 » .
كما تقول : هذه القاعة تسع ألف جالس . ولكن لا يؤذن بدخولها إلا لمن يحمل بطاقة ، فإذا رفض البعض حمل البطاقة المعهودة فحرموا من الدخول وبقوا في الخارج ، فليس ذلك قدحا في سعة القاعة .
ومثل ذلك قول رسول اللّه : « كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبى ، فقالوا :
ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى » « 2 » .
وقد تأخذ الرحمة الحقة طابع القسوة وليست كذلك . إن الأطفال عندنا يساقون إلى المدارس كرها ، ويحفظون الدروس زجرا . ولو تركوا وأهواءهم لقتلهم اللهو واللعب ولشبوا لا يحسنون صنعا ، ولذلك قال الشاعر :
فقسا ليزدجروا ومن يك راحما * فليقس أحيانا على من يرحم
والطبيب عندما يجري بالجسم جراحة يستخدم مبضعه لتمزيق اللحم ، وقد يضطر لتهشيم العظام وبتر أعضاء . وما يفعل ذلك إلا رحمة بالمريض ! ! .
فليست الرحمة حنانا لا عقل معه ، أو شفقة تتنكر للعدل والنظام . كلا إنها عاطفة ترعى هذه الحقوق جميعا . إن منظر المشنوق وجسمه يتأرجح في الهواء وعيناه تعشقان الضوء وتطلبان النجاة ؛ منظر قد يستدر العطف ، ولو أجيبت هذه العاطفة السريعة ، وأطلق سراح القاتل لامتلأت الأرض فوضى . .
والرحمة الحقة في كبت هذا الشعور .
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
« 3 » .
إن القسوة التي استنكرها الإسلام جفاف في النفس لا يرتبط بمنطق ولا عدالة . إنها نزوة فاجرة تتشبع من الإساءة والإيذاء ، وتمتد مع الأثرة المجردة والهوى الأعمى . . أما الرحمة فهي أثر من الجمال الإلهي الباقي في طبائع الناس يحدوهم إلى البر ، ويهب عليهم في الأزمات الخانقة ريحا بليلة ترطب الحياة وتنعش الصدور .
هامش
( 1 ) الأعراف : 156 - 157 .
( 2 ) البخاري .
( 3 ) البقرة : 179 .