أصحابه فوجدهم مضرجين بدمائهم على الثرى . ونظر إليه بقية أصحابه فإذا خده قد شق وسنه قد سقطت . وفي هذه الأزمة قيل له : ادع على المشركين ؛ فغلبه رفقه وجعلت نفسه العالية تستميح لأعدائه العذر ، فكان دعاؤه : « اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون » .
إن القلوب الكبيرة قلما تستجيشها دوافع القسوة فهي أبدا إلى الصفح والحنان أدنى منها إلى الحفيظة والاضطغان .
إن القسوة في خلق إنسان دليل نقص كبير ، وفي تاريخ أمة دليل فساد خطير . . فلا عجب إذا حذر الإسلام منها واعتبرها علة الفسق عن أمر اللّه وسر الشرود عن صراطه المستقيم :
أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ، وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ
« 1 » .
وقد أمر الإسلام بالتراحم العام . وجعله من دلائل الإيمان الكامل ، فالمسلم يلقى الناس قاطبة وفي قلبه لهم عطف مذخور وبر مكنون ، فهو يوسع لهم ويخفف عنهم جهد ما يستطيع :
قال رسول اللّه : « لن تؤمنوا حتى ترحموا ، قالوا : يا رسول اللّه ، كلنا رحيم ، قال : إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ، ولكنها رحمة العامة » « 2 » .
أجل ، فإن الرجل قد يهش لأصدقائه حين يلقاهم ، وقد يرق لأولاده حين يراهم . وذلك أمر يشيع بين الكثير . بيد أن المفروض في المؤمن أن تكون دائرة رحمته أوسع ، فهو يبدي بشاشته ، ويظهر مودته ورحمته لعامة من يلقى . . .
وقد جاءت الأحاديث تترى حاثة على هذه الرحمة الشاملة . فقال رسول اللّه : « من لا يرحم الناس لا يرحمه اللّه » « 3 » زاد في رواية « ومن لا يغفر لا يغفر له » .
هامش
( 1 ) الحديد : 16 .
( 2 ) الطبراني .
( 3 ) البخاري .