وكثير من أسماء اللّه الحسنى ينبع من معاني الرحمة والكرم والفضل والعفو . وقد جاء في الحديث القدسي : « إن رحمتي تغلب غضبي » « 1 » ، أي أن تجاوزه عن خطايا البشر يسبق اقتصاصه منهم وسخطه عليهم وبذلك كان أفضل الرحماء :
وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
« 2 » .
ما ترى في الأرض من تواد وبشاشة وتعاطف وبر أثر من رحمة اللّه التي أودع جزءا منها في قلوب الخلائق ؛ فأرقّ الناس أفئدة أوفرهم نصيبا من هذه الرحمة وأرهفهم إحساسا بحياة الضعفاء .
أما غلاظ الأكباد من الجبارين والكازّين والمستكبرين فهم في الدرك الأسفل من النار . وفي الحديث : « . . . . إن أبعد الناس من اللّه تعالى القاسي القلب » « 3 » .
وكان رسول اللّه يعد جمود العين واستغلاق القلب من الشقاء .
ولقد أراد اللّه أن يمتن على العالم برجل يمسح آلامه ، ويخفف أحزانه ، ويرثى لخطاياه ، ويستميت في هدايته ، ويأخذ بناصر الضعيف ، ويقاتل دونه قتال الأم عن صغارها . ويخضد شوكة القوي حتى يرده إنسانا سليم الفطرة لا يضرى ولا يطغى . . فأرسل « محمدا » عليه الصلاة والسّلام ، وسكب في قلبه من العلم والحلم ، وفي خلقه من الإيناس والبر ، وفي طبعه من السهولة والرفق ، وفي يده من السخاوة والندى ، ما جعله أزكى عباد اللّه رحمة ، وأوسعهم عاطفة ، وأرحبهم صدرا .
ولذلك قال فيه :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
« 4 » .
وقد لازمته هذه الفضائل العذبة في أعصب الساعات عندما حاول المشركون في « أحد » اغتياله ، وألجأوه إلى حفرة ليكبّ فيها ، ونظر إلى زهرة
هامش
( 1 ) مسلم .
( 2 ) المؤمنون : 118 .
( 3 ) الترمذي .
( 4 ) آل عمران : 159 .