وقال : « من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء » « 1 » .
وقال : « طوبى لمن تواضع في غير منقصة ، وذلّ في نفسه من غير مسألة ، وأنفق مالا جمعه في غير معصية ، ورحم أهل الذلة والمسكنة ، وخالط أهل الفقه والحكمة » « 2 » .
والذلة في غير مسكنة تعني السكينة للمؤمنين والليونة معهم . وقد وصف اللّه المجتمع المسلم أنه متماسك بهذا العطف المتبادل فقال عن أهله :
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ
« 3 » وقال :
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
« 4 » .
وقد تسأل : ما معنى ذكر الشدة في سياق الحديث عن الرحمة ؟ والحق أن الإسلام يوصي بالرحمة العامة لا يستثني منها إنسانا ولا دابة ولا طيرا .
والنصوص التي سلفت تؤيد هذا الشمول . بيد أن هناك من الناس والدواب من يكون مصدر خطر على غيره ومثار رعب وفزع ، فيكون من رعاية الصالح العام للجماعة كلها أن يحبس شره ، ويحاصر ضرره . وقد تكون الشدة معه رحمة به كذلك وتقويما لعوجه .
والإسلام رسالة خير وسلام وعطف على البشر كلهم . وقد قال اللّه لرسوله :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
« 5 » وسور القرآن الكريم مفتّحة كلها ب « بسم اللّه الرحمن الرحيم » .
لكن ذئاب البشر أبوا إلا اعتراض الرحمة المرسلة ، ووضع الجنادل في مجراها حتى تنقطع عن الناس مواردها ، فيهلكوا بعيدا عنها في أودية الحيرة والجهالة . فلم يكن بدّ من إزالة هذه العوائق ، والإغلاظ لأصحابها ، ويوم ينقطع تعرضهم وتحديهم تشملهم هذه الرحمة الجامعة ، فليس في هذه الرحمة قصور ؛ وإنما القصور فيمن حرم نفسه منها ، ألست ترى أن رحمة اللّه وسعت كل شيء ! ومع ذلك فلن ينالها مشرك ولا جحود :
هامش
( 1 ) الطبراني .
( 2 ) الطبراني .
( 3 ) المائدة : 54 .
( 4 ) الفتح : 29 .
( 5 ) الأنبياء : 107 .