أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ . أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ؟ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ
« 1 » .
ويقول ابن القيم في مناجاة اللّه :
يا من ألوذ به فيما أؤمله ! * ومن أعوذ به مما أحاذره !
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره * ولا يهيضون عظما أنت جابره !
ذلك هو التوحيد الكامل . وذلكم ما يجب أن يستشفى به أولئك الضعاف المساكين ، الذين يريقون ماء وجوههم في التسكع على الأبواب والتمسح بالثياب ، والزلفى على الأعتاب .
يريد الإسلام ليجتث عوامل القلق في النفوس وأن يكشف عنها الضيق حتى تتنفّس في جو طليق ، فيقول رسول اللّه : « إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله » « 2 » .
إنه يقول ذلك لا ليقعد الناس عن التكسب الواجب : فهذا ظن الجهلة .
لكنه يقول ذلك ليجمل الناس في الطلب ، ويخففوا من الإلحاح الشائن والتملق المعيب ، وذلك سر القسم :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ . فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
« 3 » .
عن ابن مسعود أن رسول اللّه قال : « ليس من عمل يقرب إلى الجنة إلا أمرتكم به ، ولا عمل يقرب إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه ، فلا يستبطئن أحد منكم رزقه . فإن جبريل ألقى في روعي أن أحدا منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه . فاتقوا اللّه أيها الناس وأجملوا في الطلب ، فإن استبطأ أحد منكم رزقه فلا يطلبه بمعصية اللّه ؛ فإن اللّه لا ينال فضله بمعصيته » « 4 » .
بهذه الوصايا الحارة رفع الإسلام قدر المستمسك به ، وجعله ينقل أقدامه على الأرض مكينا كريما . ثم أوضح له أن هؤلاء الذين نتردد عليهم في حاجاتنا إنما هم ممرّ للعطاء ، أو مظهر للمنع .
هامش
( 1 ) الملك : 20 - 21 .
( 2 ) الطبراني .
( 3 ) الذاريات : 22 - 23 .
( 4 ) الحاكم .