إن تاريخ الحياة من بدء الخلق إلى اليوم مؤسف ! ومن الحق أن يشق المرء طريقه في الحياة وهو موقن بأنه غاص بالأشواك والأقذاء .
* * * وأما الحقيقة الأخرى فتتعلق بطبيعة الإيمان .
فالإيمان صلة بين الإنسان وبين اللّه عزّ وجلّ . وإذا كانت صلات الصداقة بين الناس لا يعتد بها ولا ينوّه بشأنها إلا إذا أكدها مر الأيام ، وتقلب الليالي ، واختلاف الحوادث . فكذلك الإيمان ، لا بد أن تخضع صلته للابتلاء الذي يمحصها . فإما كشف عن طيبها ، وإما كشف عن زيفها .
قال اللّه تعالى :
أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا ، وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ؟ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ، وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ
« 1 » .
ولا ريب في أن علم اللّه محيط بظواهر الأمور وبواطنها ، وأن هذا الامتحان لم يأت بجديد بالنسبة إلى الكشف الإلهي ، المستوعب للبدايات والنهايات ، غير أن الإنسان لا يحاسب على ما في علم اللّه بل حسابه على عمله الشخصي ، وإذا كان بعض المجرمين سينكرون ما اقترفوا من سيئات .
فكيف تقام عليه الحجة إلا بامتحان تشهده جوارحهم ، وتنطق به أركانهم ؟
قال تعالى في هؤلاء :
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ، ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا : أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ؟ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ . انْظُرْ : كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
« 2 » .
فكيف يكتفى بحساب هؤلاء على مقتضى العلم الإلهي ؟ إن جزاءهم العدل لا يقضى به عليهم إلا من أعمالهم التي تثبت لهم ولغيرهم فسادهم وسوء صنيعهم .
* * *
هامش
( 1 ) العنكبوت : 2 - 3 .
( 2 ) الأنعام : 22 - 24 .