فالمتعرض لآلام الحياة ، يدافعها وتدافعه ، أرفع عند اللّه درجات من المنهزم القابع بعيدا ، لا يخشى شيئا ولا يخشاه شيء . .
وما ادخره اللّه لأولئك العانين الصابرين يفوق ما ادخره لضروب العبادات الأخرى من ثواب جزيل :
« يود أهل العافية يوم القيامة ، حين يعطى أهل البلاء الثواب ، لو أن جلودهم كانت قرضت بالمقاريض » « 1 » .
ومن الغرائب أن بعض الناس فهم أن الإسلام يمجد الآلام لذاتها ويكرم الأوجاع والأوصاب لأنها أهل التكريم والموادة .
وهذا خطأ بعيد ، فعن أنس بن مالك قال : رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شيخا يهادي بين ابنيه ، فقال : ما بال هذا ؟ قالوا : نذر أن يمشي ! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه عن تعذيب هذا نفسه لغنيّ » وأمره أن يركب « 2 » .
وعن ابن عباس أن أخت عقبة نذرت الحج ماشية ، وذكر عقبة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنها لا تطيق ذلك ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه لغنيّ عن مشي أختك ، فلتركب ولتهدي بدنة » « 3 » .
وقال اللّه عزّ وجل :
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ؟
« 4 » .
إنما يحمد الإسلام لأهل البلوى وأصحاب المتاعب رباطة جأشهم وحسن يقينهم ، وهو إذ يذكر لهم الأسقام التي يعانونها ، أو الضوائق التي يواجهونها ، لا يعنيه منها إلا ما تنطوي عليه من امتحان يجب اجتيازه بقوة وتسليم ، لا باسترخاء وتسخّط على القدر :
ورد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دخل على امرأة مريضة فوجدها تلعن الداء وتسب الحمى ، فكره منها هذا المسلك وقال لها مواسيا : « إنها - أي الحمى - تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد » « 5 » .
هامش
( 1 ) الترمذي .
( 2 ) البخاري .
( 3 ) أبو داود .
( 4 ) النساء : 147 .
( 5 ) مسلم .