سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أي الناس أشد بلاء ؟ قال : « الأنبياء ، ثمّ الأمثل فالأمثل . يبتلى الناس على قدر دينهم . فمن ثخن دينه اشتد بلاؤه ، ومن ضعف دينه ضعف بلاؤه . وإن الرجل ليصيبه البلاء حتى يمشي على الأرض ما عليه خطيئة » « 1 » .
فاختلاف أنصبة الناس من الجهد والتبعة والهموم الكبيرة يعود إلى طاقتهم في التحمل والثبات .
وسنة العظمة والاعتداد هي التي أوحت لقائد أمريكي كبير أن يقول :
« لا تسأل اللّه أن يخفف حملك ، ولكن اسأل اللّه أن يقوي ظهرك » إنّ خفة الحمل ، وفراغ اليد ، وقلة المبالاة ، صفات قد يظفر الأطفال منها بقسط كبير لكن مشاغل العيش وهموم الواجب ، ومرارة الكفاح ، واستدامة السعي ، هي أخلاق الجاهدين البنائين في الحياة . والرجل القاعد في داره لا يصيبه غبار الطريق ، والجندي الهارب قد لا يشوكه سلاح ، ولا يروعه زحف . أما الذين أسهموا في معركة الحياة وخاضوا غمارها ، فستغبرهم وعثاؤها ، وتنالهم جراحاتها ، ويدركهم من النصب والكلال ما يدركهم .
ومن هنا كرم الإسلام المنتصبين لأعراض الدنيا « 2 » وواسى المتعبين مواساة تطمئن بالهم ، وتخفّف آلامهم .
« مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الريح ، تصرمها مرة وتعدلها أخرى حتى يأتيه أجله . ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذبة على أصلها لا يصيبها شيء حتى يكون انجعافها « 3 » مرة واحدة » « 4 » .
فالمؤمن السارب في الحياة هدف لمشاكلها الجمة ، أما العاجز الهارب من الميدان فما ذا يصيبه ؟
وذاك سر قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من يرد اللّه به خيرا يصب منه » « 5 » . وقوله : « إذا أحب اللّه قوما ابتلاهم . فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط » « 6 »
هامش
( 1 ) ابن حبان .
( 2 ) أي أهل بلائها .
( 3 ) انجعافها : قلعها .
( 4 ) مسلم .
( 5 ) البخاري .
( 6 ) الترمذي .