نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
« 1 » وقال :
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
« 2 » ، فأفاد أن التدبر في القرآن أو الرجوع إلى من يتدبر فيه يرفع الاختلاف من البين . وتدل على أن الارجاع إلى الرسول وهو الحامل لثقل الدين يرفع من بينهم الاختلاف ، ويبين لهم الحق الذي يجب عليهم أن يتبعوه ، قال تعالى :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
« 3 » وقريب منه قوله تعالى :
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
« 4 » وقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
( 59 ) « 5 » .
فهذه صورة التفكر الاجتماعي في الإسلام . ومنه يظهر أن هذا الدين كما يعتمد بأساسه على التحفظ على معارفه الخاصة الإلهية ، كذلك يسمح للناس بالحرية التامة في الفكر ، ويرجع محصله إلى أن من الواجب على المسلمين أن يتفكروا في حقائق الدين ويجتهدوا في معارفه تفكرا واجتهادا بالاجتماع والمرابطة ، وإن حصلت لهم شبهة في شيء من حقائقه ومعارفه أو لاح لهم ما يخالفها فلا بأس به ، وإنما يجب على صاحب الشبهة أو النظر المخالف أن يعرض ما عنده على كتاب اللّه بالتدبر في بحث اجتماعي ، فإن لم يداو داءه عرضه على الرسول أو من أقامه مقامه حتى تنحل شبهته ، أو يظهر بطلان ما لاح له إن كان باطلا ، قال تعالى :
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ
( 18 ) « 6 » .
والحرية في العقيدة والفكر على النحو الذي بيناه غير الدعوة إلى هذا النظر ، وإشاعته بين الناس قبل العرض ، فإنه مفض إلى الاختلاف المفسد لأساس المجتمع القويم .
هذا أحسن ما يمكن أن يدبر به أمر المجتمع في فتح باب الارتقاء الفكري على وجهه مع حياته الشخصية ، وأما تحميل الاعتقاد على النفوس والختم على القلوب
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت ، الآية 43 .
( 2 ) سورة النحل ، الآية 43 .
( 3 ) سورة النحل ، الآية 44 .
( 4 ) سورة النساء ، الآية 83 .
( 5 ) سورة النساء ، الآية 59 .
( 6 ) سورة الزمر ، الآية 18 .