تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
وإماتة غريرة الفكرة في الإنسان عنوة وقهرا ، والتوسل في ذلك بالسوط أو السيف أو التنكيل والهجرة وترك المخالطة ، فحاشا ساحة الحق والدين القويم أن يرضى به أو يشرع ما يؤيده ، وإنما هو خصيصة نصرانية وقد امتلأ تاريخ الكنيسة من أعمالها وتحكماتها في هذا الباب - وخاصة فيما بين القرن الخامس وبين القرن السادس عشر الميلاديين - بما لا يوجد نظائره في أشنع ما عملته أيدي الجبابرة والطواغيت وأقساه . ولكن من الأسف ، أنّا معاشر المسلمين سلبنا هذه النعمة وما لزمها ( الاجتماع الفكري وحرية العقيدة ) ، كما سلبنا كثيرا من النعم العظام التي كان اللّه سبحانه أنعم علينا بها لما فرطنا في جنب اللّه
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
« 1 » فحكمت فينا سيرة الكنيسة ، واستتبع ذلك أن تفرقت القلوب وظهر الفتور ، وتشتتت المذاهب والمسالك ، يغفر اللّه لنا ويوفقنا لمرضاته ويهدينا إلى صراطه المستقيم .

7 - الدين الحق هو الغالب على الدنيا بالآخرة :

والعاقبة للتقوى ، فإن النوع الإنساني بالفطرة المودعة فيه يطلب سعادته الحقيقية ، وهو استواؤه على عرش حياته الروحية والجسمية معا ، حياة اجتماعية بإعطاء نفسه حظه من السلوك الدنيوي والأخروي ، وقد عرفت أن هذا هو الإسلام ودين التوحيد . وأما الانحرافات الواقعة في سير الإنسانية نحو غايته وفي ارتقائه إلى أوج كماله ، فإنما هو من جهة الخطأ في التطبيق لا من جهة بطلان حكم الفطرة ، والغاية التي يعقبها الصنع والايجاد ، لا بد أن تقع يوما معجلا أو على مهل ، قال تعالى :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
( 30 ) « 2 » . يريد أنهم لا يعلمون ذلك علما تفصيليا وإن علمته فطرتهم إجمالا ، إلى أن قال :
لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
( 34 ) « 3 » إلى أن قال :
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
( 41 ) « 4 » وقال تعالى :
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى
هامش
( 1 ) سورة الرعد ، الآية 11 . ( 2 ) سورة الروم ، الآية 30 . ( 3 ) سورة الروم ، الآية 34 . ( 4 ) سورة الروم ، الآية 41 .