الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ
« 1 » وقال تعالى :
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ
( 105 ) « 2 » وقال تعالى :
وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى
( 132 ) « 3 » . فهذه وأمثالها آيات تخبرنا أن الإسلام سيظهر ظهوره التام فيحكم على الدنيا قاطبة .
ولا تصغ إلى قول من يقول : إن الإسلام وإن ظهر ظهورا ما ، وكانت أيامه حلقة من سلسلة التاريخ فأثرت أثرها العام في الحلقات التالية ، واعتمدت عليها المدنية الحاضرة ، شاعرة بها أو غير شاعرة ، لكن ظهوره التام أعني حكومة ما في فرضية الدين بجميع مؤداها وصورها وغاياتها ، مما لا يقبله طبع النوع الإنساني ولن يقبله أبدا ، ولم يقع عليه بهذه الصفة تجربة حتى يوثق بصحة وقوعه خارجا وحكومته على النوع تامة ، وذلك أنك عرفت أن الإسلام بالمعنى الذي نبحث فيه غاية النوع الإنساني وكماله الذي هو بغريزته متوجه إليه ، شعر به تفصيلا أو لم يشعر ، والتجارب القطعية الحاصلة في أنواع المكونات ، يدل على أنها متوجهة إلى غايات مناسبة لوجوداتها ، يسوقها إليها نظام الخلقة ، والإنسان غير مستثنى من هذه الكلية . على أن شيئا من السنن والطرائق الدائرة في الدنيا الجارية بين المجتمعات الإنسانية ، لم تك في حدوثه وبقائه وحكومته على ما سبق تجربة قاطعة ، فهذه شرائع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ، ظهرت حينما ظهرت ، ثم جرت بين الناس ، وكذا ما أتى به برهما وبوذا وماني وغيرهم ، وتلك سنن المدنية المادية كالديمقراطية والكمونيسم وغيرهما ، كل ذلك جرى في المجتمعات الإنسانية المختلفة بجرياناتها المختلفة من غير سبق تجربة . وإنما تحتاج السنن الاجتماعية في ظهورها ورسوخها في المجتمع إلى عزائم قاطعة وهمم عالية من نفوس قوية لا يأخذها في سبيل البلوغ إلى مآربها عي ولا نصب ، ولا تذعن بأن الدهر قد لا يسمح بالمراد والمسعى قد يخيب . ولا فرق في ذلك بين الغايات والمآرب الرحمانية والشيطانية .
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، الآية 54 .
( 2 ) سورة الأنبياء ، الآية 105 .
( 3 ) سورة طه ، الآية 132 .