ليس من أخلاق الإنسان وعاداته ومعتقداته ، إلا وهو قابل للتغيير والتبديل ، كما هو مشاهد معلوم .
أما الأخلاق فيقع التغيير في بعضها ببطء ، وفي بعضها بسرعة ، تبعا لقوة المؤتمر وضعفه . وأما العادات وكثير من المعتقدات ، فصائرة إلى الإنسان من مزاولة العمل أو القول مرة بعد أخرى ، وبقاء أثر له في النفس يزداد ثباتا فيها بازدياد تكرره ، ثم يستقر ويصبح عادة لازمة واعتقادا راسخا .
وسبب هذا أن الأعصاب في الإنسان تأثرت بذلك العمل وتلك الفكرة ، حتى أخذت شكلا خاصا ، وكلما تكرر ذلك ازداد تأثر الأعصاب حتى يكون لتلك الأعمال فيها مجرى تجري فيه وتتجه إليه .
وينشأ من هذا أن يألف الإنسان الأعمال ، ويجد مباشرتها أمرا سهلا عليه ، حتى لقد يفعلها بدون تفكير ولا معاناة مشقة ، ولا نظر إلى ما تفعله يداه أو رجلاه ، وتوافق أوضاعها أو اختلافها ، إذ كان الشأن في هذا كالماء الذي يجري إلى المنحدرات فيشق لنفسه فيه واديا ينحدر إليه بسهولة ، ويجري فيه كلما تدفق من نحو سيل أو مطر .
ومما يوضح هذا أن القول يمر بسمعك ، والأمر تشهده وهو يخالف منك دينك أو عاداتك أو اعتقادك ، فترى من نفسك إنكارا له وثورة عليه ، فإذا تكرر ذلك فقد تألفه وتنجذب إليه ، وربما تفعله راضيا له ، مسرورا به ، إذ كثيرا ما نرى إنسانا يحاكي آخر في قول أو فعل ، ازدراء به ومقتا له ، ثم لا يلبث أن يدرج على ما حاكاه ويصبح من عاداته ، لا سيما إذا وجد ممن يحيطون به من يستحسنون ذلك منه أو يطلبونه إليه للتسلية واللهو .
وإذا وجدت العادة أو الاعتقاد ما يعارض الميل الذي من أجله نشأ ، فإنهما يضعفان في الإنسان وقد يزولان تبعا لقوة المعارضة وضعفها .
ومن أهم ما يعارض ذلك الميل المخالطة : إذ هي التي تغير في الإنسان كثيرا من
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 216
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٢١٦