تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤

المدخل

إن الأمة تقوى وتعز بقدر ما تترابط وتتماسك ، وتنتصر فيها الروح الجمعية ، وتنعدم الأثرة والأنانية وحب الذات . فالأمة المتفرقة التي يسير كل فرد فيها وراء أهوائه ورغباته الخاصة ، هدف قريب المنال ، ولقمة سائغة المذاق ، لكل من تحدثه نفسه بإذلالها واستعبادها ، بل إن ضعف الأمة وتفرقها شيعا وأحزابا ، ليغري بها الغاضبين والمستعمرين . وصدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية » . وصدق علي أمير المؤمنين عليه السّلام : « الشاذ من الجماعة للشيطان ، كما أن الشاذ من الغنم للذئب » وأمة هذا شأنها يتعذر توجيهها وإرشادها إلى ما فيه خيرها وصلاحها ، فلا يرجى منها سمع ولا طاعه ، ولا تثار فيها غيرة ولا كرامة . وهنا نستطيع أن نلمس الفائدة التي يمكن أن تعود على الأمة الإسلامية من صلاة الجماعة ، فهي عامل فعال من عوامل التكتل والترابط ، على أساس فاضل متين تلغى فيه الفوارق بين الطبقات ، ولا يذكر فيه كل إنسان عن نفسه إلا أنه لبنة صالحة في مجتمع قويم ، يشعر كل واحد بأنه أخ لكل من في المسجد ، وأنه مساوله ، فتنمو روح المساواة الحقيقية ، لا فرق بين غني وفقير ، ولا بين عظيم وحقير ، فكلهم عباد اللّه اجتمعوا في بيته يظللهم ظلال المحبة والأخوة في اللّه . وبهذه الممارسة العملية للمساواة تنتفي فوارق اللون وفوارق الثراء وفوارق الدم ، فيشعر الفرد شعورا حقيقيا بأنه للجماعة ، وتشعر الجماعة بأنها للفرد ، وهذه الغاية هي أسمى الغايات التي يجهد العلماء الحكماء ، والمربون والفلاسفة أنفسهم في تحقيقها ، ليعم البشرية الأمن والسّلام .