« كنت أمشي على رجلي من بيتي في ( المنشية ) إلى الأزهر ، وأعود من الأزهر وأنا أحمل ما يبهظني حمله ، وكان أبي يعلمني في كتاب ، فأصبحت أعلم أولادي في رياض الأطفال ، ولا يعجبهم أن يركبوا في الدرجة الأولى في الترام ويطلبون سيارة خاصة ، وكان أبي يضربني على الشيء التافه الصغير فأحتمل ولا أثور ولا أغضب ، فصار أبنائي يغضبون من الكلمة الخفيفة ، والعتاب المؤدب ، وكنت لا أؤاخذ أبي على حرماني من الضروريات ، فصار أبنائي يؤاخذونني على حرمانهم من الإسراف في الكماليات . . . » .
وأولاد ( أحمد أمين ) هؤلاء منهم من يحمل شهادة الاختصاص في الحقوق ومنهم ليسانس في الهندسة ، وربما كانوا أخف وطأة على أبيهم من كثير من الأولاد .
ونحن مع اعترافنا بأن الزمان قد تغيّر ، وأن كل شيء مرده إلى القوانين العامة لحركة التاريخ وأسبابه الاجتماعية ، ولكننا لا نجد عذرا لهذا الغلو الذي نراه اليوم في عقوق الابن لأبيه .
وبالجملة ، فإن لفظ الأب يوحي معنى الاحترام والحب ، وكل ابن مسؤول عن تعظيم أبيه . والإخلاص له أمام اللّه والناس والضمير .
عطف الأبوة لفضيلة العلامة « الشيخ عبد المنعم الفرطوسي » :
طفل يتيم أقضّ الجوع مضجعه * ملوّع القلب قد أودى به الخور
قد مات والده فأظلم مكتئبا * أفق الرجاء عليه مذ خبا القمر
من كان يرويه من سلسال عبرته * كأنه زهرة والمدمع المطر
وكان يفرش خديه بمضجعه * كيلا يعفر منه الخد والشعر
وينصب القلب دولابا بملعبه * فحيث مال يميل القلب والبصر
فلا وساد سوى زند ومعصمه * ولا أرائك إلا الصدر والسرر
ولا يطيب له من عيشه وطر * حتى يطيب له من عيشه وطر
ولا ترق له نجوى ولا سمر * إن لم يكن باسمه نجواه والسمر
وليس يطبق جفنيه على سنة * حتى يلطف من أحلامه السحر
وليس يملأ نور الصبح ناظره * إن لم يكن من سناه يملأ النظر
وليس يفتر ثغر منه مبتسما * حتى يراه لعيبا وهو مبتشر
وليس تنعشه في الروض عابقة * إن لم يكن بشذاه يعبق الزهر