ووجوب شكرهم وطاعتهم إلا فيما يغضب اللّه سبحانه ، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
وأكتفي هنا بنقل فقرات من دعاء الإمام ( زين العابدين ) عليه السّلام المذكور في الصحيفة السجادية ، ( وهي أثمن تراث إسلامي بعد القرآن على الإطلاق ) ، وما قرأها إنسان ( من أي لون كان ) إلا نقلته إلى أجواء يشعر معها بنشوة لا عهد لأهل الأرض بمثلها .
ومن الذي يقرأ قول الإمام : « اللهم اجعلني أهابهما هيبة السلطان العسوف ، وأبرهما بر الأم الرؤوف ، واجعل طاعتي لوالديّ وبري بهما ، أقرّ لعيني من رقدة الوسنان ، وأثلج لصدري من شربة الظمآن ، حتى أوثر على هواي هواهما ، وأقدم على رضاي رضاهما ، وأستكثر برهما بي وإن قل ، وأستقل بري بهما وإن كثر » .
من الذي يقرأ هذا القول ، ولا يترك في نفسه أعمق الآثار ؟ ! . يهابهما هيبة السلطان العسوف مع مخالطته لهما ، ودنوّه منهما ، وعلمه بأنهما أرأف به من نفسه .
إنها هيبة التعظيم والتوقير ، لا هيبة الخوف من الحساب والعقاب هيبة الأبوة التي لا يقدرها إلا العارفون .
كانت فاطمة ( سلام اللّه عليها ) بضعة من النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأحب الخلق إلى قلبه ، ومع هذا كانت تقول : « ما استطعت أن أكلم رسول اللّه من هيبته » .
ولا شيء عند الأبوين أغلى وأثمن من بر الابن بهما ، على الرغم من أنه وفاء لبعض ما لهما من ديون . إنهما يسعدان بهذا البر سعادة الغارس بثمرات غرسه ، بل سعادة العالم باكتشاف أسرار الكون ، وبهذه السعادة يشعر الابن البار إذا تأكد من سعادة أبويه به ، ورضاهما عنه .
ثم اقرأ معي هذه الكلمات للإمام عليه السّلام :
« اللهم وما تعدّيا علي فيه من قول ، أو أسرفا علي فيه من فعل ، أو ضيعاه من حق ، أو قصّرا بي عنه من واجب ، فقد وهبته لهما ، ورغبت إليك في وضع تبعته عنهما ، فإني لا أتهمهما على نفسي ، ولا أستبطئهما في بري ، ولا أكره ما تولّياه من أمري يا رب ، فهما أوجب حقا علي وأقدم إحسانا إلي وأعظم منّة لدي من أن أقاصهما بعدل ، أو أجازيهما على مثل . أين إذن يا إلهي طول شغلهما بتربيتي ؟ ! وأين شدة تعبهما في حراستي ؟ ! وأين إقتارهما على أنفسهما للتوسعة علي . هيهات ما يستوفيان
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 427
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٤٢٧