وضعفا ، فالأم بطبيعة الحال ( كما ذكرنا ) تحتمل النصيب الأوفر ، ولها القدح المعلى من البر والرعاية والانعطاف . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « بر الوالدة على الوالد ضعفان » .
ويفوقها الوالد بما يحدث للولد بعد هذا من شعور الإعجاب بالعظمة والكمال والقدرة وهو من الغرائز .
والولد يشعر بأن أباه أعظم الناس وأحقهم بالإجلال والتعظيم . وقد كان العرب يتفاخرون بآبائهم في أسواقهم ، وفي معاهد الحج ، حتى قال اللّه تعالى :
فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً
« 1 » .
يتلو ذلك شعور عزة الحماية والصيانة له من والده والذود عنه والانتقام له إذا ضيم ، وفوق هذا شعور الشرف فهو يشرف بشرفه ويحقر بضعته وخسته . فإن أهين بقول أو فعل ترجف أعصابه ويتبيغ دمه ، ولا تكاد تهدأ ثائرته إلا بالانتقام له .
فهذه مجامع نوازع حب الولد الوالد أكثر من حبه لأمه ، واتجاهه بالعناية نحو أبيه أكثر مما يتجه بالعناية نحو أمه .
مضافا إلى ذلك شعوره بأنه بضعة من أبيه ، يرث بعض صفاته وطباعه وشمائله من جسدية ونفسية وعقلية ، بيد أن حب الوالد للولد أحرى وأقوى وأنمى وأبقى من عكسه ، وهو أشد شعورا بمعنى كون ولده بضعة منه ، وكون وجوده مستمدا من وجوده ، ويشعر ما لا يشعر من معنى كونه نسخة ثانية منه يرجى لها من البقاء ما لا يرجى للنسخة الأولى ، فهو يحرص على بقائه كما يحرص على نفسه أو أشد ، ويحرم نفسه من كثير من الطيبات إيثارا له بها في حاضر أمره ومستقبله ، ويكابد الأهوال ويركب الصعاب في سبيل السعي والادخار له . فهو مجهد متعب طوال حياته ، في تغذيته وإنعاشه وتربيته . من أجل ذلك جعل اللّه طاعته واجبة ، وطلب رضاه حتما .
وجعل طاعته منوطة بطاعته ، ورضاه وسخطه منوطين برضاه وسخطه .
والأحاديث في ذلك متوفرة : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « رضا الرب في رضا الوالد ، وسخط الرب في سخط الوالد » . وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إن الوالد باب من أبواب الجنة فاحفظ ذلك الباب » . وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من حج عن والده بعد وفاته كتب اللّه لوالده حجة وكتب له براءة من النار » . وعن إبراهيم بن شعيب قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : إن أبي قد كبر جدا وضعف ، فنحن نحمله إذا أراد حاجة . فقال عليه السّلام : إن استطعت أن تلي ذلك
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية 200 .