تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
نفسه وقال : هذا ما كنت أخشاه ها هو قد تركني ومضى لشأنه كأنه لا يعرفني ، وكأنني لست أباه ، وطفرت من عيونه دموع الألم ، وهمّ بالنهوض فخانته قواه ، ولم تستطع أن تحمله قدماه فسقط في مكانه ، ثم استعاد قواه ، وبينما هو يحاول النهوض ثانية إذ أقبل ولده والعرق يتصبب من جبينه فارتمى على يدي والده يقبلهما ويقول : إنني يا أبت لم أنس حنوّك وعطفك علي زمن طفولتي ، ولن أنسى ما حييت جهودك العظيمة التي بذلتها في سبيل تربيتي وتوفير راحتي ، لا أزال أذكر سهرك الليالي الطوال بجانب سريري أيام مرضي ، إنني لا أزال أشعر بأنك كنت تتمنى أن تسكب روحك النقية في جسمي لتعود إليّ العافية والحياة . إنني يا أبت لا أستطيع ، مهما حاولت ، أن أفي ببعض ما لك في عنقي من منة ، ولا أقدر أن أقابل هذا الشعور بمثله . إنك تطلب مني أن أخصّك بشيء من المال ، هذا لا يكون أبدا ، إن الولد البار يعلم يقينا أنه هو وماله لأبيه يتصرف بهما كما يحب . هاك يا والدي مفتاح الخزانة ، افتحها متى أردت ، وخذ منها ما شئت ، والفضل لك . لأنني أعتقد أنه لم يكن لينالني شيء من التوفيق ، لولا دعواتك الصالحة ، وتربيتك الحسنة ، وأنني لو بذلت جميع ما ملكت يدي في سبيل راحتك ورضاك لكان ضئيلا . فاغرورقت عينا الوالد بدموع الفرح ، وامتزجت بدموع ولده وقال بصوت تخنقه العبرات : بارك اللّه لك يا ولدي بمالك ، وجعلك سعيدا في دنياك وآخرتك . مضت سنوات عدة والولد لا يألو جهدا في خدمة أبيه ، ويبالغ في إكرامه والإحسان إليه ، ثم أخذه إلى مكة وسعد بخدمته ، وأديا فريضة الحج معا ، ثم عادا براحة وسرور عظيمين ، ولم يزل الولد يحنو على والده ، ويحوطه برعايته ويشمله بعنايته ، ويتسقط مواضع مرضاته ، حتى وافاه أجله ، فأسلم الروح إلى خالقها ، ولسانه رطب بالدعاء لولده ، مكررا قوله : « اللهم بارك له في ماله وسرّه في أولاده ، واجعله سعيدا في دنياه وآخرته » . استجيبت دعوة الوالد ، وها هو الولد يتقلب بنعيمها حتى يومنا هذا » . كلنا يعلم ما يلاقيه الآباء في سبيل أبنائهم من شدائد الصعوبات ، ولكن الكثير منا يجهل مكانة الآباء ومنزلتهم عند اللّه . وقد أفاض أهل البيت ( سلام اللّه عليهم ) في بيان حقوق الأبوين على الأبناء