وكم مرة جاعت وأعطتك قوتها * حنوا وإشفاقا وأنت صغير
فآها لذي عقل فيتبع الهوى * وآها لأعمى القلب وهو بصير
فدونك فارغب في عميم دعائها * فأنت لما تدعو به لفقير
قال معروف الرصافي :
أوجب الواجبات إكرام أمي * إن أمّي أحقّ بالإكرام
حملتني ثقلا ومن بعد حملي * أرضعتني إلى أوان فطامي
ورعتني في ظلمة الليل حتى * تركت نومها لأجل منامي
جاء رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : يا رسول اللّه : أي الوالدين أعظم حقا ؟
قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « التي حملته بين الجنبين وأرضعته الثديين ، وحضنته على الفخذين ، وفدته بالوالدين » .
لم يكتف صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ببيان الحقيقة حتى شفعه ببيان ما تتحمله الأم من العناء في حضانة الولد وتربيته بعد الولادة ، وتغذيتها إياه لبابا من جسدها ، وكونها وعاء له قبل ولادته ، تحمل أرقه وتنوء بعبئه ، كما أنها تربيه على فخذيها ، تنظر منه زهرة حياتها ، وتشمّ عرف كيانها ، تناغيه وتفديه بالوالدين من فرط جهالة إلى ما هو شر .
جاء عن مهزم بن أبي بركة الأسدي قال : وقع بيني وبين أمي كلام فأغلظت لها ، فلما كان من الغد صليت الغداة وأتيت أبا عبد اللّه عليه السّلام فدخلت عليه ، فقال لي مبتدئا :
« يا مهزم ما لك ولخالدة أغلظت لها البارحة ، أما علمت أن بطنها منزلا قد سكنته ، وأن حجرها مهدا قد اخترته ، وأن ثديها وعاء قد شربته . قلت : بلى ، قال : فلا تغلظ لها » .
هذا كله هو الذي أوجب للأم عظم الحق والأولوية بالرعاية ، وكونها أولى بالطاعة من الوالد الذي لا صلة له بجل تلكم الأتعاب والمشاق .
يحدثنا صاحب ( روضة الواعظين ) عن الإمام الباقر عليه السّلام : « أن موسى بن عمران قال : يا رب أوصني . قال : أوصيك بي . قال : يا رب أوصني . قال : أوصيك بي . ثلاثا . قال : يا رب أوصني . قال أوصيك بأمك . قال : يا رب أوصني . قال :
أوصيك بأمك . قال : يا رب أوصني . قال أوصيك بأبيك » .
وفي رواية أخرى « إن اللّه قال له : يا موسى ألا إن رضاها رضاي وسخطها سخطي » . فكان يقال لأجل ذلك : إن للأم ثلثا البر وللأب الثلث .
وفي ضياء الشهاب ( للقطب الراوندي ) : أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « دعاء الوالدة أسرع