ولكي تحصل هذه المشاركة الوجدانية ، ولكي تؤتي أكلها يجب على الوالي أن يخالط الرعية وأن يمكنهم من مخالطته ومطالعته بما يريدون ، لأن احتجابه عنهم سبب لجهله بأحوالهم ، وسبب لانصراف قلوبهم عنه وتفاقم موجدتهم عليه .
قال عليه السّلام :
« . . . فلا تطولنّ احتجابك عن رعيتك ، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق ، وقلة علم بالأمور . والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير ، ويقبح الحسن ويحسن القبيح ، ويشاب الحق بالباطل .
وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور ، وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب » .
ولكي يبقى ما بين الوالي ورعيته من وشائج الود ، ويبقى ما للوالي في قلوب الرعية من جميل الأثر وحسن الظن ، يجب عليه أن يبدد من أذهانهم كل ما يتوهمون فيه الظلم والحيف ، فيبيّن لهم خطته ، ويشرح لهم نهجه ليؤيدوا سياسته عن قناعة بها وإيمان بصلاحها وجدواها . ويجب عليه ألّا يمنّ على رعيته بما يفعل ، فإن منصبه يفرض عليه أن يخدمهم ، ولو منّ عليهم لذهب جميل أثره من قلوبهم . وعليه أن يتجنب الكذب فيما يعطي من عهد والتزيد فيما يصف من عمل ، فإن الكذب داعية المقت والتزيد أخو الكذب .
قال عليه السّلام :
« وإن ظنت الرعية بك حيفا فأصحر لهم بعذرك ، واعدل عنك ظنونهم بإصحارك ، فإن في ذلك رياضة منك لنفسك ، ورفقا برعيتك ، وإعذارا تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق . وإياك والمنّ على رعيتك بإحسانك ، أو التزيد فيما كان من فعلك ، أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك ، فإن المنّ يبطل الإحسان ، والتزيد يذهب بنور الحق ، والخلف يوجب المقت عند اللّه والناس ، قال اللّه تعالى :
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ »
« 1 » .
وقد لاحظ ابن خلدون هذه الظاهرة فقرر في مقدمته ما يأتي :
« اعلم أن مصلحة الرعية في السلطان ليست في ذاته وجسمه من حسن شكله ، أو ملاحة وجهه ، أو عظم جثمانه ، أو اتساع علمه أو جودة خطه ، أو ثقوب ذهنه ، وإنما
هامش
( 1 ) سورة الصف ، الآية 3 .