تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
فالسلطان ليس شخصا مقدسا حاكما بأمره ، وليس وارثا لملك ، ولا مهيمنا على عقائد الناس وقلوبهم ، إنه طرف في عقد ليقوم بأعمال الوكالة باسم المجموع . فعليه أولا : أن يكون بين رعاياه عادلا لا تنال من عدالته مؤثرات الحياة ، من هوى أو قربى أو مصلحة شخصية ، بل :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
« 1 » فالعدل هو التقوى ، وهو شريعة اللّه وروح الكون . فالطبيعة الإنسانية شيء واحد يأخذ الجميع منها حصصا متساوية ، فليس من الجائز للحاكم أن يفضل بعض الناس على بعض ، فالتفضيل عند اللّه ، ومن اللّه ، وليس هو اللون والجنس واللغة والوطن ، ليس لسائر هذه المعاني من حساب في ميزان اللّه ، إنما هنالك ميزان واحد تتحدد به القيم ، ويعرف به فضل الناس :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
« 2 » والكريم حقا هو الكريم عند اللّه . وهو يزن عباده عن علم وعن خبرة بالقيم والموازين . على السلطان أن يكون رحيم القلب لين الجانب رقيق الطبع ، إلا في الحق فلا رأفة ولا رحمة . كما عليه أن يتصف بالأناة والتبصر دون الإسراع إلى ما لا تحمد عقباه . وبالتالي : على السلطان أن يكون شاكرا لأنعم اللّه ، إذ عنده من النعم أكبرها وأجلها وهي نعمة السلطة والإمرة ، فعليه أن يقابلها بالشكر والطاعة والإخلاص في أمر الرعية ، وتنفيذ مطالبها ، وأداء ما افترضه اللّه عليه من حقها . فمن ذلك : حماية البيضة ، وسد الثغور ، وتحصين الأطراف ، وأمن السبل وقمع الدعار . فهذه حقوق تلزم السلطان ، تجري مجرى الفروض الواجبة . وبهذه الأمور تجب طاعته على رعيته . ومنها الرفق بهم والصبر على صادرات هفواتهم . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ما كان الرفق في شيء إلا زانه ، ولا كان الخرق في شيء إلا شانه » وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير كله ، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير كله » . وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ما من عمل أحب إلى اللّه تعالى وإلى رسوله من الإيمان باللّه والرفق بعباده ، وما من عمل أبغض إلى اللّه تعالى من الإشراك باللّه تعالى والضغط
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، الآية 8 . ( 2 ) سورة الحجرات ، الآية 13 .