في الدرس الخامس عشر من هذه الدروس ، حاولنا استيفاء حق السلطان على الرعية ، وكتبنا في ذلك شيئا لا نعلم مبلغه من الإجادة ، فقد ذكرنا فيما سبق الحقوق والواجبات التي للسلطان على الرعية ، وما يستطيع أن يأخذهم به ويحملهم عليه ويردهم إليه . وفي هذا الدرس نستعرض على ضوء كلمات الإمام ( سلام اللّه عليه ) حقوق الرعية على السلطان وما لهم عليه ، وما من حقهم أن يلزموه به . وبعد أن نتفهم كلام الإمام ونتعمق في أغواره ، نكون قد عرفنا ما يربط الرعية بالسلطان من صلات ، وما يربط السلطان بالرعية من صلات أيضا ، ونكون قد عرفنا أيضا ما يضمن لهما حياة هادئة رخية ملؤها الأمن والاطمئنان ، والتفاهم وراحة البال .
كل شيء في الإسلام ينبثق من عقيدته ويتلون بفكرته العامة . ولكنه لا يجمد ولا يقف ، بل يمتد ويتطور ويمشي مع الناس ومع الحياة في لين ويسر وسماحة .
فالإسلام كدين عام للناس كافة . وكعقيدة ارتضاها اللّه ختاما لرسالاته واصطفاها لتصنع على أعين الناس خير أمة أخرجت للناس . حينما جاءت أنظمته وشرائعه ، إنما كانت كليات عامة تصوغ روح الأشياء وتبدع ناموسها وتترك للناس التطبيق بما يلائم حياتهم ويحقق مصالحهم ويكفل سعادتهم وقوتهم وتنطلق عقولهم حرة لتجول في مرونة وسماحة مجتهدة مبتدعة منظمة متطورة .
والشريعة الإسلامية كائن حي دائم النماء لا يقف ولا يجمد ، لأن الوقوف عن الحركة سنة الأموات ، والجمود ، طبيعة العاجزين .
والكلية الإسلامية في الحكم ، أنه عقد بين متعاقدين . . . بين الراعي والرعية ، وهو من قبيل التعاون على البر والتقوى ، لأن الحياة الإنسانية لا تقوم إلا بهذا التعاون ولا تستقيم إلا بهذا النظام .
والعقد أساسه الاختيار والرضا ، لا التعسف والإكراه . . . إنه توكيل من المجموع للفرد ، الذي انتخبه هذا المجموع انتخابا شعبيا حرا ، ليكون راعيا لهم قائما بأماناتهم منفذا لشريعة اللّه بينهم ، موفرا للحياة السعيدة الحرة الكريمة لهم .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 344
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٣٤٤