تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
مصلحتهم فيه من حيث إضافته إليهم ، فإن الملك والسلطان من الأمور الإضافية وهي نسبة بين منتسبين ، فحقيقة السلطان أنه المالك للرعية القائم في أمورهم عليهم ، فالسلطان من له رعية ، والرعية من لها سلطان ، والصفة التي له من حيث إضافته إليهم هي التي تسمى ( الملكة ) وهي كونه يملكهم ، فإذا كانت هذه الملكة وتوابعها من الجودة بمكان ، حصل المقصود من السلطان على أتم الوجوه ، فإنها إن كانت جميلة صالحة كان ذلك مصلحة لهم ، وإن كانت سيئة متعسفة كان ذلك ضررا عليهم وإهلاكا لهم . ويعود حسن الملكة إلى ( الرفق ) أي الإحسان ، لأن الملك إذا كان قاهرا باطشا بالعقوبات ، منقبا عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم ، شملهم الخوف والذل ، ولاذوا منه بالكذب والمكر والخديعة ، فتخلقوا بها وفسدت بصائرهم وأخلاقهم ، وربما خذلوه في مواطن الحروب والمدافعات ، ففسدت الحماية بفساد النيات ، وربما أجمعوا على قتله لذلك فتفسد الدولة . . . إلى أن يقول : وأمّا توابع حسن الملكة فهي النعمة - الإحسان - عليهم والمدافعة عنهم ، فالمدافعة بها تتم حقيقة الملك . وأما النعمة عليهم والإحسان لهم ، فمن جملتها الرفق بهم والنظر لهم في معاشهم ، وهي أصل كبير في التحبب إلى الرعية . واعلم أنه قلما تكون ملكة الرفق فيمن يكون يقظا شديد الذكاء من الناس ، وأكثر ما يوجد الرفق في الغفل والمتغفل ، وأقل ما يكون في اليقظة أنه يكلف الرعية فوق طاقتهم لنفوذ نظره فيما وراء مداركهم واطلاعه على عواقب الأمور في مبادئها بألمعية ، فيهلكون لذلك ، قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « سيروا على سير أضعفكم » . ومنها : ردع قويهم عن ضعيفهم ، وإنصاف ذليلهم من عزيزهم ، وإقامة الحدود فيهم ، وإقرار حقوقهم مقارها ، وإغاثة ملهوفهم ، وإجابة مستصرخهم ، والتسوية في حكمه بين الأبعد منهم والأقرب والأذل والأعز . قال عمر بن الخطاب لرجل : « إني لا أحبك . قال : فتنقصني من حقي شيئا . قال عمر : لا . قال الرجل : فما يفرح بالحب بعد هذا إلّا النساء » . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ما من عبد استرعاه اللّه رعية ، فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة » وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ما من وال يلي رعية من المسلمين ، فيموت وهو غاش لهم إلّا حرّم اللّه عليه الجنة » . وقد بيّن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن من لم يحط رعيته بنصحه ، ولم يحفظها بقوله وفعله ، بل كان فيها الحاكم الخامل ، أو الوالي الظالم ، أو الراعي الغاشّ الذي يعطي من طرف