تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
على عباده » . وعن أبي جعفر الباقر عليه السّلام قال : « إن لكل شيء قفلا ، وقفل الإيمان الرفق » . وعن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ما اصطحب اثنان إلا كان أعظمهما أجرا وأحبهما إلى اللّه عز وجل أرفقهما بصاحبه » . وفي وصية الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام ( لهشام بن الحكم ) : « عليك بالرفق فإن الرفق يمن والخرق شؤم ، إن الرفق والبر وحسن الخلق يعمر الديار ويزيد في الرزق » . وكان آخر وصية الخضر لموسى عليه السّلام « لا تعيرن أحدا بذنب ، إن أحب الأمور إلى اللّه عز وجل ثلاثة : القصد في الجدة ، والعفو في المقدرة ، والرفق بعباد اللّه ، وما رفق أحد بأحد في الدنيا إلا رفق اللّه عز وجل به يوم القيامة » . من ضرورات الحكم الصالح ، المشاركة الوجدانية بين الراعي والرعية ، إذ بها يستطيع الحاكم أن يتعرف على آمال المحكومين وآلامهم ومطامحهم ، وأن يعي حاجاتهم ومخاوفهم ، فيعمل لخيرهم ويضع كل شيء مما يصلحهم موضعه ، ويشعرهم ذلك برعايته لهم وحياطته لأمورهم وعمله لصالحهم ، فيدعمون حكمه بحبهم وإيثارهم له ويؤازرونه في السراء والضراء على السواء . ولا يحصل شيء من هذا إذا أغلق الحاكم دونهم قلبه وأغمض عنهم عينه ، إنه حينذاك لا يعرف شيئا من أمورهم ليعمل على الإصلاح ، وتكون عاقبة ذلك أن يفقد حبه في قلوبهم ويشعرون بأنه شيء غريب عنهم مفروض عليهم كالحشرة الطفيلية التي تعيش على دماء الحيوان الذي تلتصق به . وقد وضع الإمام علي أمير المؤمنين ( صلوات اللّه وسلامه عليه ) أسس هذا اللون من الحكم ومارسه ودعا إلى ممارسته في عهده العظيم لمالك الأشتر حين ولاه مصر . قال : « وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم . فإنهم صنفان : إما أخ لك في الدين ، وإما نظير لك في الخلق تفرط منهم الزلل . وتعرض لهم العلل ، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك اللّه من عفوه وصفحه » . يردد علي هذه الألحان ، ألحان الرحمة للرعية في أكمل صورها وأسمى ألوانها . وهي ألحان لا تعرفها القوانين المدنية ، لأنها لا تتفجر إلا من القلوب المؤمنة المخبتة لربها ، المتطلعة إلى خالقها . القلوب التي تجافي الظلم وتحاربه وتبرأ منه ، لأنه من ظلم عباد اللّه كان اللّه خصمه ليس الشعب فحسب ، وإنما خصيمه الأول والأكبر جبار السماوات والأرضين . . . وأين منه المهرب ؟ ! .