المعلمون قادة الرأي العام ومنقذو الشعوب من الموت الأدبي ، فإليهم ترجع الأمور ومن آرائهم الصائبة تستنبط المعضلات وتعرف الرموز والمشكلات وتسنّ القوانين .
إن أهم وظيفة يقوم بها المعلمون هي غرسهم بذور الأخلاق الطيبة في النفوس ، تلك الأخلاق التي عليها مدار جميع الأعمال ، وبدونها لا يتمكن البشر من أن يسير سيرا حسنا مهما علت منزلته وسمت رفعته .
فكّر فيما قاله النبي محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - معلم الأمم الحكم - في خطبة له : « كأن الموت فيها على غيرنا قد كتب ، وكأن الحق فيها على غيرنا قد وجب ، إلى أن قال :
طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، طوبى لمن أنفق مالا اكتسبه بغير معصية ، طوبى لمن زكت وحسنت خليقته وطابت سريرته ، وعزل عن الناس شره ، طوبى لمن أنفق الفضل من ماله ، وأمسك الفضل من قوله » .
تجد الصراحة متجلية أمام عينيك ثم تعمق في المعاني التي تنطوي عليها تلك الكلمات تجد أنه تشع منها أنوار تهدي للتي هي أقوم . يدعو الناس إلى القيام بالواجب والاعتراف بالحق . وهذا أقصى تشريع يتطلبه عقلاء الأمم اليوم من أجل تأمين النظام والسلم العام .
ما بادت أمة من الأمم السالفة فأضاعت سؤددها إلا بسبب سقوط أخلاقها وانحرافها عن السبل الصحيحة التي كان يسوقها إليها معلموها الأبرار وما ضاع حق إلا من قصر عقل الجاهل المطالب به وضعف خبرته . ولا ريب في أن الضعيف مغلوب على أمره .
لم يكن الملك عادلا ، ولا الوزير حاكما قادرا ، ولا الشعب واقفا على ما يحاك حوله من الشباك لولا المعلم . وما نراه ونقرؤه في صحف التاريخ من حضارات قديمة كانت أو حديثة ، ومن علوم وفنون واكتشافات واختراعات ، ما هي إلا من مآثر أولئك الأبطال ( وهم المعلمون ) .
وجماع القول إن المعلم مربّ ولولاه لما عرف المخلوق خالقه . فالأنبياء مرشدون سيروا الشعوب إلى طريق الهدى والحق ، وردعوهم عن الغي والبهتان ، والفلاسفة معلمون يتحرّون الحقائق ويفتشون عن كنه الأشياء .
* * *
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 310
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٣١٠