شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ
« 1 » ؟ ؟ ألم يجعل الفرقان تقوى اللّه مناط كرامة الإنسان وفضله على غيره ؟ قال :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
« 2 » ثم يحصر هذه التقوى بالعلماء في قوله :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
« 3 » .
إذن يصدق الإمام إذ يقول : « من علمني حرفا كنت له عبدا » وهو يعني بذلك أن يجعلني أقرب إلى اللّه ، إلى ربي وأكرمهم عليه هو معلمي . وهذه الزلفى إلى اللّه هي مناط العبودية في نفسي لمن أدناني من خالقي وعرفني به وأخلص له حتى أحالني فيه ، فعبوديتي لهذا المعلم جزء من عبوديتي لخالقي ، إذ كان السبب الأول في عرفاني نفسي ومن وراء هذا العرفان عرفت ربي ، فكل حرف تعلمته ودنت به لخالقي أراني مدينا بين يديه لمن علمنيه وفقهني به ثم أصدرني عنه إنسانا كاملا يصعد بروحه إلى سمائه ثم يهبط بجسده إلى أرضه .
وإذا خاطب اللّه عبده وهو يحثه على طاعة أبويه بقوله :
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
( 24 ) « 4 » ثم إذا قرن طاعة عبده له بطاعته لوالديه في قوله تعالى :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ
. . .
أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ
( 14 ) « 5 » إذا فرض اللّه على العبد هذه الطاعة ، فمن طريق أولى أن يفرض على عباده الطاعة لأهل العلم ، لأن العالم خير من العابد ولأن المعلم أفضل من الأب .
نقل لي بعض الثقات وأنا في لندن : ولعل هذا الثقة الأستاذ ( كاظم الدجيلي ) ، وكان يومئذ قنصلا لحكومة العراق في عاصمة السكسون . قال : « العرف يقضي هنا ، بأن لا ترفع القبع ( البرانيط ) عن الرؤوس في الشوارع للتحية ، إلا إذا مر الملك أو الأستاذ ( المعلم ) . أما رئيس الوزراء أو أحد كبار المسيطرين إذا مروا كانوا هدفا للسخرية فضلا عن الاحترام » .
من ذا يقر في عالمنا اليوم قول الإمام عليه السّلام ، وهو يشير إلى عظمة العلم وتعظيم المعلم ، لترسخ في النفوس هيبة الحياة وجلال الإنسانية من وراء تقديس العلم واحترامه .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية 18 .
( 2 ) سورة الحجرات ، الآية 13 .
( 3 ) سورة فاطر ، الآية 28 .
( 4 ) سورة الإسراء ، الآية 24 .
( 5 ) سورة لقمان ، الآية 14 .