كل محاسن هذا الكون مدينة للمعلمين الذين ثابروا على الاستنباط والتدقيق طوال حياتهم ، فعلموا الشعوب كيف تفكر وكيف تشعر بواجباتها لتنافس الأمم المناوئة لها في مضمار الحياة .
فإذا كان في الشعوب المتمدنة قوة إبداع علمية أو صناعية ، وصفات ممدوحة ، فمرجعها المعلم الذي أنهك جسمه وأضنى فكره في سبيل التهذيب حتى كانت حياته القصيرة ملأى بالجهود والأتعاب . فيتضح من ذلك كله أن المعلم الذي يضحي بنفسه وهو يعاين الجراثيم الفتاكة أمام منضدته ، ليعلم تأثيرها إلى تلاميذه ، لم يكن أقل قدرا ومكانة من القائد الفاتح . فإذا كان هذا يسوق الجند إلى ميادين القتال لحفظ كيان أمته ورفعة مجدها ، فإن ذاك يسيّر الشعوب إلى ساحات الجد والعمل بنشاط ، ويهيئها إلى الاختراع والإبداع من جهة ، وإلى استساغة الموت في سبيل الواجب من جهة أخرى .
المعلم أمام منضدة التدريس بصوته الجهوري يلقي على تلاميذه دروسا قيمة ، ويبث فيهم المبادئ الطيبة والروح السامية ، وهو على منبره كأنه الجبل الراسخ والبنيان المرصوص .
وهناك العاهل الجالس على كرسي عرشه ، المفكر في تدبير شؤون رعيته لا يكون حكمه عادلا ما لم يتدرب على حب الحق وتقديره على يد معلم قدير .
ومما هو جدير بالذكر ، ما قام به المعلمون في القرون الوسطى من الجد والتعليم طوال حياتهم ، فأبقوا من الآثار ما يعسر عده وحصره ، ومن الذكريات ما لم تمحه العصور والدهور .
ولقد قام أبطال الإسلام بوظيفة التعليم والإرشاد للمدنية الحقة في زمن لم يتيسر التقدم فيه إلا للأمة الإسلامية التي جاهد معلموها طيلة ألف عام - فترة القرون الوسطى - فانتفعت من علومهم أمم الغرب ، وما المقبول من مدنيات هؤلاء اليوم إلا ولهم فيه التأثير البليغ .
وقد رأينا في عصور الحضارات الأخيرة ، أن النهضات العلمية والفكرية في البلاد لا تثمر إلا إذا اشترك فيها المعلمون بجهودهم المتواصلة .
فالمعلمون في الأرض كالنجوم المتألقة في السماء ، يستضيء الناس بأنوار ثقافتهم ، فيهتدون إلى سبل النجاة .
لم تتسع العلوم والفنون في العصور الأخيرة في الغرب منذ بدء دور الانتباه توسعا
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 311
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٣١١