ولا نهار ولا علانية ، ولولا أن لأهلي علي حقا ولسائر الناس من خاصهم وعامهم علي حقوقا لا يسعني إلا القيام بها حسب الوسع والطاقة حتى أؤديها إليهم لرميت بطرفي إلى السماء وبقلبي إلى اللّه ثم لم أرددها حتى يقضي اللّه على نفسي وهو خير الحاكمين ، وبكى عليه السّلام ، وبكى عبد الملك وقال : شتان بين عبد طلب الآخرة وسعى لها سعيها ، وبين من طلب الدنيا من أين جاءت ما له في الآخرة من خلاق .
وقال ابن حجر في صواعقه : « إن زين العابدين هو الذي خلف أباه علما وزهدا وعبادة » .
وعن أبي حمزة الثمالي قال : كان علي بن الحسين عليه السّلام يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة ، وكان عظيم التجاوز والعفو والصفح ، ولقد سألت عنه جاريته فقالت :
أطنب أم أختصر ؟ فقلت : اختصري . قالت : ما فرشت له ليلا فراشا ، ولا أتيت له بطعام نهارا قط . وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة عند كل نخلة ركعتان ، وكانت الريح تميله مثل السنبلة .
وعن الباقر عليه السّلام قال : لقد بلغ أبي زين العابدين عليه السّلام في العبادة ما لم يبلغه أحد ، دخلت عليه يوما ، فرأيته قد اصفر لونه من السهر ، ورمصت عيناه من البكاء ودبرت جبهته من السجود ، وتورمت قدماه من القيام في الصلاة ، فلم أملك نفسي حين رأيته بتلك الحالة ، فبكيت رحمة له ، وإذا هو يتفكر فالتفت إلي بعد هنيهة . فقال : يا بني أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن أبي طالب عليه السّلام ، فأعطيته فقرأها يسيرا ثم تركها من يده متضجرا ، وقال : من يقدر على عبادة علي بن أبي طالب عليه السّلام ؟ وكان عليه السّلام يتعب نفسه في العبادة ويجتهد جهدا عظيما حتى خافوا عليه من التلف ، ورقت له القلوب ، وكانوا يتأسفون عليه غاية الأسف ، وأقبلوا يمنعونه ويحذرونه لأجل ذلك لما يجدونه منه من الضعف والانكسار ، وألحوا عليه في تخفيف العبادة والبكاء ترحما على نفسه وعلى جميع أرحامه وأقاربه روحي له الفداء .
يحدثنا المجلسي في ( البحار ) : أن فاطمة بنت الحسين عليه السّلام أتت إلى جابر بن عبد اللّه فقالت له : يا صاحب رسول اللّه إن لنا عليكم حقوقا ، ومن حقنا عليكم أن إذا رأيتم أحدنا يهلك نفسه اجتهادا أن تذكروه اللّه في نفسه وتدعوه إلى البقيا على نفسه ، وهذا علي بن الحسين بقية أبيه الحسين قد انخرم أنفه وثفنت جبهته وورمت ركبتاه وراحتاه ، أذاب نفسه في العبادة . فأتى جابر إليه عليه السّلام . قال جابر : فأتيت إلى بابه واستأذنت عليه ، فلما دخلت عليه وجدته وقد أضنته العبادة ، جالسا في محرابه ، فنهض
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 230
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٢٣٠