تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكبائر والصغائر — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
والأجر والثواب بمنزلة الثمن ، والعقاب بمنزلة الدرك على من أتلف شيئا فضمن قيمته واستقرت في ذمته . وبالجملة فهو أمر وضعي اعتباري نظير سائر العناوين والأحكام والموازين الاجتماعية التي يدور عليها رحى الاجتماع الإنساني كالرئاسة والمرؤوسية والأمر والنهي والطاعة والمعصية والوجوب والحرمة والملك والمال والبيع والشراء وغير ذلك ، وإنما الحقائق هي الموجودات الخارجية والحوادث المكتنفة بها التي لا تختلف حالها بغنى وفقر وعز وذل ومدح وذم كالأرض وما يخرج منها والموت والحياة والصحة والمرض والجوع والشبع والظمأ والري . فهذا ما عند العقلاء من أهل الاجتماع ، واللّه سبحانه جارانا في كلامه مجاراة بعضنا بعضا فقلب سعادتنا التي يهدينا إليها بدينه في قالب السنن الاجتماعية فأمر ونهى ورغب وحذر ، وبشر وأنذر ، ووعد بالثواب وأوعد بالعقاب فصرنا نتلقى الدين على أسهل الوجوه التي نتلقى بها السنن والقوانين الاجتماعية ، قال تعالى :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً
« 1 » . ولم يهمل سبحانه أمر تعليم النفوس المستعدة لإدراك الحقائق فأشار في آيات من كلامه إلى أن وراء هذه المعارف الدينية التي تشتمل عليها ظواهر الكتاب والسنّة أمرا هو أعظم ، وسرا هو أنفس وأبهى فقال تعالى :
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ
« 2 » . فعد الحياة الدنيا لعبا لا بنية له إلّا الخيال ، ولا شأن له إلّا أن يشغل الإنسان عما يهمه ، وهي الدار الآخرة وسعادة الإنسان الدائمة التي لها حقيقة الحياة ، والمراد بالحياة الدنيا إن كان هو عين ما نسميه حياة دون ما يلحق بها من الشؤون الحيوية من مال وجاه وملك وعزة وكرامة ونحوها فكونها لعبا ولهوا مع ما نراها من الحقائق يستلزم كون الشؤون الحيوية لعبا ولهوا بطريق أولى ، وإن كان المراد الحياة الدنيوية بجميع لواحقها فالأمر أوضح .
هامش
( 1 ) سورة النور : 21 . ( 2 ) سورة العنكبوت : 64 .