تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكبائر والصغائر — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
ومنها : ما يتراءى من ظاهر كلام الغزالي على ما نقل عنه « 1 » من الجمع بين الأقوال وهو أن بين المعاصي بقياس بعضها إلى بعض كبيرة وصغيرة كزنا المحصنة من المحارم بالنسبة إلى النظر إلى الأجنبية وإن كانت بعض المعاصي يكبر بانطباق بعض العناوين المهلكة الموبقة عليه كالإصرار على الصغائر ، فبذلك تصير المعصية كبيرة بعد ما لم تكن . فبهذا يظهر أن المعاصي تنقسم إلى صغيرة وكبيرة بحسب قياس البعض إلى البعض بالنظر إلى نفس العمل وجرم الفعل ، ثم هي مع ذلك تنقسم إلى القسمين بالنظر إلى أثر الذنب ووباله في إحباطه للثواب بغلبته عليه أو نقصه منه إذا لم يغلبه فيزول الذنب بزوال مقدار يعادله من الثواب فإن لكل طاعة تأثيرا حسنا في النفس يوجب رفعة مقامها وتخلصها من قذارة البعد وظلمة الجهل كما أن لكل معصية تأثيرا سيئا فيها يوجب خلاف ذلك من انحطاط محلها وسقوطها في هاوية البعد وظلمة الجهل . فإذا اقترف الإنسان شيئا من المعاصي وقد هيّأ لنفسه شيئا من النور والصفاء بالطاعة ، فلا بد من أن يتصادم ظلمة المعصية ونور الطاعة ، فإن غلبت ظلمة المعصية ووبال الذنب نور الطاعة وظهرت عليه أحبطته ، وهذه هي المعصية الكبيرة ، وإن غلبت الطاعة بمالها من النور والصفاء أزالت ظلمة الجهل وقذارة الذنب ببطلان مقدار يعادل ظلمة الذنب من نور الطاعة ، ويبقى الباقي من نورها وصفائها تتنور وتصفو به النفس ، وهذا معنى التحابط ، وهو بعينه معنى غفران الذنوب الصغيرة وتكفير السيئات ، وهذا النوع من المعاصي هي المعاصي الصغيرة . وأما تكافؤ السيئة والحسنة بما لهما من العقاب والثواب فهو وإن كان مما يحتمله العقل في بادىء النظر ، ولازمه صحة فرض إنسان أعزل لا طاعة له ولا معصية ، ولا نور لنفسه ولا ظلمة لكن يبطله قوله تعالى :
فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ .
انتهى ملخصا . وقد رده الرازي بأنه يبتنى على أصول المعتزلة الباطلة عندنا ، وشدد النكير على الرازي في المنار قائلا :
هامش
( 1 ) نقله الفخر الرازي في تفسيره عن الغزالي في منتخبات كتاب الأحياء .