تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكبائر والصغائر — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
ومنها : أن الكبر والصغر اعتباران يعرضان لكل معصية ، فالمعصية التي يقترفها الإنسان استهانة بأمر الربوبية واستهزاء أو عدم مبالاة به كبيرة ، وهي بعينها لو اقترفت من جهة استشاطة غضب أو غلبة جبن أو ثورة شهوة كانت صغيرة مغفورة بشرط اجتناب الكبائر . ولما كانت هذه العناوين الطارئة المذكورة يجمعها العناد والاعتداء على اللّه أمكن أن يلخص الكلام بأن كل واحدة من المعاصي المنهي عنها في الدين إن أتي بها عنادا واعتداء فهي كبيرة وإلّا فهي صغيرة مغفورة بشرط اجتناب العناد والاعتداء . قال بعضهم : إن في كل سيئة وفي كل نهي خاطب اللّه به كبيرة أو كبائر وصغيرة أو صغائر ، وأكبر الكبائر في كل ذنب عدم المبالاة بالنهي والأمر واحترام التكليف ، ومنه الإصرار فإن المصر على الذنب لا يكون محترما ولا مباليا بالأمر والنهي فاللّه تعالى يقول :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ
أي الكبائر التي يتضمنها كل شيء تنهون عنه
نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
أي نكفر عنكم صغيره فلا نؤاخذكم عليه . وفيه : أن استلزام اقتران كل معصية مقترفة بما يوجب كونها طغيانا واستعلاء على اللّه سبحانه صيرورتها معصية كبيرة لا يوجب كون الكبر دائرا مدار هذا الاعتبار حتى لا يكون بعض المعاصي كبيرة في نفسها مع عدم عروض شيء من هذه العناوين عليه ، فإن زنا المحارم بالنسبة إلى النظر إلى الأجنبية وقتل النفس المحرمة ظلما بالنسبة إلى الضرب كبيرتان عرض لهما عارض من العناوين أم لم يعرض ، نعم كلما عرض شيء من هذه العناوين المهلكة اشتد النهي بحسبه وكبرت المعصية وعظم الذنب فما الزنا عن هوى النفس وغلبة الشهوة والجهالة كالزنا بالاستباحة . على أن هذا المعنى ( إن تجتنبوا في كل معصية كبائرها نكفر عنكم صغائرها ) معنى ردي لا يحتمله قوله تعالى :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
الآية ، بحسب ما لها من السياق على ما لا يخفى لكل من استأنس قليل استئناس بأساليب الكلام .