تأثيرا في تنوير قلبه من إقدامه على النظر في إظلامه فهذا معنى تكفيره ، فإن كان عنينا أو لم يكن امتناعه إلّا بالضرورة للعجز أو كان قادرا ولكن امتنع لخوف أمر الآخرة فهذا لا يصلح للتكفير أصلا ، وكل من لا يشتهي الخمر بطبعه ولو أبيح له لما شربه فاجتنابه لا يكفر عنه الصغائر التي هي من مقدماته كسماع الملاهي والأوتار نعم من يشتهي الخمر وسماع الأوتار فيمسك نفسه بالمجاهدة عن الخمر ويطلقها في السماع فمجاهدته النفس بالكف ربما يمحو عن قلبه الظلمة التي ارتفعت إليه من معصية السماع فكل هذه أحكام أخروية ، انتهى .
وقال أيضا في محل آخر : كل ظلمة ارتفعت إلى القلب لا يمحوها إلّا نور يرتفع إليها بحسنة تضادها ، والمتضادات هي المتناسبات فلذلك ينبغي أن تمحى كل سيئة بحسنة من جنسها لكي تضادها فإن البياض يزال بالسواد لا بالحرارة والبرودة وهذا التدريج والتحقيق من التلطف في طريقة المحو ، فالرجاء فيه أصدق والثقة به أكثر من أن يواظب على نوع واحد من العبادات وإن كان ذلك أيضا مؤثرا في المحو ، انتهى كلامه .
وكلامه كما ترى يدل على أن المحبط للسيئات هو الاجتناب الذي هو الكف مع أنه غير لازم على هذا القول .
والكلام الجامع الذي يمكن أن يقال في المقام مستظهرا بالآيات الكريمة هو أن الحسنات والسيئات متحابطة في الجملة غير أن تأثير كل سيئة في كل حسنة وبالعكس بنحو النقص منه أو إفنائه مما لا دليل عليه ، ويدل عليه اعتبار حال الأخلاق والحالات النفسانية التي هي نعم العون في فهم هذه الحقائق القرآنية في باب الثواب والعقاب .
وأما الكبائر والصغائر من المعاصي فظاهر الآية كما عرفت هو أن المعاصي بقياس بعضها إلى بعض كقتل النفس المحترمة ظلما بالقياس إلى النظر إلى الأجنبية وشرب الخمر بالاستحلال بالقياس إلى شربها بهوى النفس بعضها كبيرة وبعضها صغيرة من غير ظهور ارتباط ذلك بمسألة الإحباط والتكفير بالكلية .
ثم إن الآية ظاهرة في أن اللّه سبحانه يعد لمن اجتنب الكبائر أن يكفر
الكبائر والصغائر — صفحة 52
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٥٢