تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكبائر والصغائر — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
والسيئة بمعنى المعصية ربما أطلقت على مطلق المعاصي أعم من الصغائر والكبائر كقوله تعالى :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ
« 1 » ، إلى غير ذلك من الآيات . وربما أطلقت على الصغائر خاصة كقوله تعالى :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
الآية ، إذ مع فرض اجتناب الكبائر لا تبقى للسيئات إلّا الصغائر . وبالجملة دلالة الآية على انقسام المعاصي إلى الصغائر والكبائر بحسب القياس الدائر بين المعاصي أنفسها مما لا ينبغي أن يرتاب فيه . وكذا لا ريب أن الآية في مقام الامتنان ، وهي تقرع أسماع المؤمنين بعناية لطيفة إلهية أنهم إن اجتنبوا البعض من المعاصي كفر عنهم البعض الآخر ، فليس إغراء على ارتكاب المعاصي الصغار ، فإن ذلك لا معنى له لأن الآية تدعو إلى ترك الكبائر بلا شك ، وارتكاب الصغيرة من جهة أنها صغيرة لا يعبأ بها ويتهاون في أمرها يعود مصداقا من مصاديق الطغيان والاستهانة بأمر اللّه سبحانه ، وهذا من أكبر الكبائر بل الآية تعد تكفير السيئات من جهة أنها سيئات لا يخلو الإنسان المخلوق على الضعف المبني على الجهالة من ارتكابها بغلبة الجهل والهوى عليه ، فمساق هذه الآية مساق الآية الداعية إلى التوبة التي تعد غفران الذنوب كقوله تعالى :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ
« 2 » الآية ، فكما لا يصح أن يقال هناك : إن الآية تغري إلى المعصية بفتح باب التوبة وتطييب النفوس بذلك فكذا ههنا ، بل أمثال هذه الخطابات إحياء للقلوب الآيسة بالرجاء . ومن هنا يعلم أن الآية لا تمنع عن معرفة الكبائر بمعنى أن يكون المراد بها اتقاء جميع المعاصي مخافة الوقوع في الكبائر والابتلاء بارتكابها فإن ذلك معنى بعيد عن مساق الآية بل المستفاد من الآية أن المخاطبين هم
هامش
( 1 ) سورة الجاثية : 21 . ( 2 ) سورة الزمر : 54 .
الكبائر والصغائر — صفحة 45 | السيد محمدحسين الطباطبائي