تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكبائر والصغائر — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
تسد باب الخلاف وطريق التخلف إلّا بأخلاق فاضلة إنسانية تقطع دابر الظلم والفساد كملكة اتباع الحق واحترام الإنسانية والعدالة والكرامة والحياة ونشر الرحمة ونظائرها . ولا يغرنك ما تشاهده من القوة والشوكة في الأمم الراقية والانتظام والعدل الظاهر فيما بينهم ولم توضع قوانينهم على أسس أخلاقية حيث لا ضامن لإجرائها فإنهم أمم يفكرون فكرة اجتماعية لا يرى الفرد منهم إلّا نفع الأمة وخيرها ولا يدفع إلّا ما يضر أمته ، ولا همّ لأمته إلّا استرقاق سائر الأمم الضعيفة واستدرارهم ، واستعمار بلادهم ، واستباحة نفوسهم وأعراضهم وأموالهم فلم يورثهم هذا التقدم والرقي إلّا نقل ما كان يحمله الجبابرة الماضون على الأفراد إلى المجتمعات فقامت الأمة اليوم مقام الفرد بالأمس ، وهجرت الألفاظ معانيها إلى أضدادها تطلق الحرية والشرافة والعدالة والفضيلة ولا يراد بها إلّا الرقيّة والخسّة والظلم والرذيلة . وبالجملة السنن والقوانين لا تأمن التخلف والضيعة إلّا إذا تأسست على أخلاق كريمة إنسانية واستظهرت بها . ثم الأخلاق لا تفي بإسعاد المجتمع ولا تسوق الإنسان إلى صلاح العمل إلّا إذا اعتمدت على التوحيد وهو الإيمان بأن للعالم - ومنه الإنسان - إلها واحدا سرمديا لا يعزب عن علمه شيء ، ولا يغلب في قدرته عن أحد خلق الأشياء على أكمل نظام لا لحاجة منه إليها وسيعيدهم إليه فيحاسبهم فيجزي المحسن بإحسانه ويعاقب المسئ بإساءته ثم يخلدون منعمين أو معذبين . ومن المعلوم أن الأخلاق إذا اعتمدت على هذه العقيدة لم يبق للإنسان همّ إلّا مراقبة رضاه تعالى في أعماله ، وكانت التقوى رادعا داخليا له عن ارتكاب الجرم ولولا ارتضاع الأخلاق من ثدي هذه العقيدة عقيدة التوحيد لم يبق للإنسان غاية في أعماله الحيوية إلّا التمتع بمتاع الدنيا الفانية والتلذّذ بلذائذ الحياة المادية ، وأقصى ما يمكنه أن يعدل به معاشه ، فيحفظ به القوانين الاجتماعية الحيوية أن يفكر في نفسه أن من الواجب عليه أن يلتزم القوانين الدائرة حفظا للمجتمع من التلاشي وللاجتماع من الفساد ، وأن من اللازم عليه أن يحرم نفسه من بعض مشتهياته ليحتفظ به المجتمع
الكبائر والصغائر — صفحة 22 | السيد محمدحسين الطباطبائي