تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكبائر والصغائر — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
من اللّه قبال أعماله الصالحة يجب أن يرجوها ويرجو اللّه فيها ، ورضوان من اللّه يجب أن يقدمه لرضى نفسه . وطباع الناس مختلفة في إيثار هذه الطرق الثلاثة واختيارها فبعضهم وهو الغالب يغلب على نفسه الخوف ، وكلما فكر فيما أوعد اللّه الظالمين والذين ارتكبوا المعاصي والذنوب من أنواع العذاب الذي أعد لهم زاد في نفسه خوفا ولفرائصه ارتعادا ويساق بذلك إلى عبادته تعالى خوفا من عذابه . وبعضهم يغلب على نفسه الرجاء وكلما فكر فيما وعده اللّه الذين آمنوا وعملوا الصالحات من النعمة والكرامة وحسن العاقبة زاد رجاء وبالغ في التقوى والتزام الأعمال الصالحات طمعا في المغفرة والجنة . وطائفة ثالثة وهم العلماء باللّه لا يعبدون اللّه خوفا من عقابه ولا طمعا في ثوابه وإنما يعبدونه لأنه أهل للعبادة وذلك لأنهم عرفوه بما يليق به من الأسماء الحسنى والصفات العليا فعلموا أنه ربهم الذي يملكهم وإرادتهم ورضاهم وكل شيء غيرهم ، ويدبر الأمر وحده وليسوا إلّا عباد اللّه فحسب ، وليس للعبد إلّا أن يعبد ربه ، ويقدم مرضاته وإرادته على مرضاته وإرادته ، فهم يعبدون اللّه ولا يريدون في شيء من أعمالهم فعلا أو تركا إلّا وجهه ، ولا يلتفتون فيها إلى عقاب يخوفهم ، ولا إلى ثواب يرجيهم ، وإن خافوا عذابه ورجوا رحمته ، وإلى هذا يشير قوله عليه السّلام : ما عبدتك خوفا من نارك ولا رغبة في جنتك بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك . وهؤلاء لما خصوا رغباتهم المختلفة بابتغاء مرضاة ربهم ومحضوا أعمالهم في طلب غاية هو ربهم تظهر في قلوبهم المحبة الإلهية وذلك أنهم يعرفون ربهم بما عرفهم به نفسه ، وقد سمّى نفسه بأحسن الأسماء ووصف ذاته بكل صفة جميلة ، ومن خاصة النفس الإنسانية أن تنجذب إلى الجميل فكيف بالجميل على الإطلاق وقال تعالى :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ
« 1 » ثم قال :
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
« 2 » فأفاد أن الخلقة تدور مدار الحسن وأنهما متلازمان متصادقان ثم ذكر سبحانه
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : 102 . ( 2 ) سورة السجدة : 7 .